المگـفي بين تأكيد المدح وصريح الذم

المگـفي بكاف معقودة أسلوب حساني بياني، مقلوب الدلالة في المدح، فظاهره العذاب وباطنه الرحمة، ويطلق عليه أحيان”التژْماگْ” ”ولفظة التژماگ لها معنيان، الأول: الإساءة اللفظية، والثاني: المنع والحرمان من العطاءوالمگـفي يصح اشتقاقه من كل منهما وإن كان الأظهر اشتقاقه من المعنى الأول.
وقد خص بعضهم مصطلح التژماگ بالمگـفي المستعمل في غرض الغزل خاصة. يؤصل للمگـفي فنيا بأنه من “تأكيد المدح بما يشبه الذم” الذي عده البلاغيون من محسنات الكلام المعنوية كقول الشاعر الكبير ولمغن الألمعي محمد ول أبنو ول أحميده في مديحيته البديعة في الشرفاء أبناء بوننَّ:

ولا عيب فيهم غير أن نوالهم … على الجار جار ليس ينقصه المحْل.
عرف المگـفي قديما لدى الشعراء الحسانيين واستعملوه في عدد من الأغراض، من أكثرها أمثلة غرضا المدح والتغزل، وتوجد منه نماذج خالدة تناقلتها الرُّواة وتغنت بها الأجيال.
ومن أمثلة المگـفي الشائعة التي تحمل معنى المبالغة في المدح قول أحد فحول الشعراء ومشاهير البلغاء الحسانيين وهو امحمد بن هدار في مدح أحد السادات الأعيان والأمراء الشجعان وهو أعمر سالم بن محمد لحبيب:
مَكْهَـــنْ ذِ النّـــــاسْ اَلِّ تبْكِ = اعْلِيــــكْ اُبيكْ اتْگولْ اَسْكِ

مَكْذَبْــــهَ زَادْ اَلِّ تحْــــــــكِ = عَنْ شاكرْتَـــكْ كلْ امْدِيــنَ
انْتَ مـــــانَكْ هُوَ شَــــــــكِّ = طفْــــــلْ اعْرَبْ تنْدَگْبثيْــنَ
وُاعْرَبْ گُمّلْ وُاگْبَـــخْ بَــكِّ = وُاعْرَبْ هَيْــــبَ وُامّيْدِيــنَ
وُاعْرَبْ زارْ اُعَرْبْ انْتَرْكِ = وُانْصُوفْ اُعَرْبْ اگْوَيْبِيـنَ
شَمْتَــــــكْ ياعْمَرْ ما وَفّيْتُ = سَمْعَـــكْ ما رَيْنَـاكْ ابْغَيْـتُ
ما گَطّيْــــتْ اَرجْ مَدَّيْــــتُ = اُلاَ عشْرَ زَيْــــنَ وُاسْمِيــنَ

سمْبُورسْ مَا گَطْ اعْطَيْتُ = اُلاَ فَلتُـــــــــورْ اُلاَ بَيْــــــنَ
منْهُ غيْرَكْ بامْحالِيــــــــتُ = صرْعْ اِزِيدَكْ عَنْدْ اَزْميــنَ
ما گطْ امْشَيْــــتْ اُوَسَيْــتُ = طَبْعَكْ شَيْـــنْ اُذاتَــكْ شينَ.
أما في غرض الغزل فمن أمثلته الرائجة التي يعتبرها متذوقوه نموذجا للغزل في أرق صوره: قول الفتى النبيل محمد باب بن إبراهيم اخليل، في عيشه بنت اعل بن أحمد سالم بن اعل بن محمد لحبيب حسب ما ذكره القاضي ابراهيم بن مولود بن داداه في مختاراته:
گُلِيـــــلِ راجلْ جَـــاكْ = شِـــــدَوَّرْ هُـوَ ذَاكْ
انْتِـــيَ مَانـــــكْ هَــاكْ = امْــرَ گَــمْ اسْمِيــنَ
وَاوْعَرْ منْ شِ مَلْگَاكْ = وُاشْــوَيْنَ وُادْخَيْـنَ
وُارْوَيْصكْ لمْشَكْـــرَدْ = حَـــدُّولكْ لُــذَيْــــنَ
وُافَّيْمـــكْ كــلْ ابْلَـــدْ = مــــــنُّ فِيـهْ اسْنَيْنَ.
ورغم تعاطي شعراءَ كبارٍ لهذا الأسلوب كمحسن معنوي، وشغف كثير من الشعراء الشباب اليوم به وكثرة استعمالهم له، واعتبارهم إياه ضربا من أسلوب “تأكيد المدح بما يشبه الذم” فإن استحسانه ليس محل إجماع بين الشعراء الحسانيين ومتذوقي الشعر الحساني وجمهوره، بل إن منهم من يمجه سمعه وينفِر منه طبعه، ومنهم من يستغرب أن يطرب السامع لسرد تلك الأوصاف النابية على اعتبار أن المقصود ضدها.
وليس مسلما كون المگَفي من تأكيد المدح بما يشبه الذم، فأسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم لا يذكر فيه ذم أصلا، أما المگَفي فتذكر فيه صفات الذم مثبتة وصفات المدح منفية، وذلك إلى تأكيد الذم المصرح به أقرب.
على أن “تأكيد الذم بما يشبه المدح” مذكور أيضا في علم البديع من المحسنات المعنوية، وهو عكس سابقه، فلا يراد به غير الذم وتأكيده، وإن كان هذا الغرض الأخير غير مراد في (المگـفي) قطعا.
وكون بعض نصوص المگَفي القديمة لاقت قبولا واستحسانا، لا يعني بالضرورة أن ذلك راجع إلى الأسلوب في حد ذاته، فقد يكون راجعا لانسيابها، أو شهرة قائلها أو سياقها الذي قيلت فيه أوغير ذلك مما يكسب بعض النصوص قبولا لدى المتلقى ..
أما إذا اعتبرنا المگَفي لونا جديدا لم يُسبق إليه الشعر الحساني فلا إشكال في تباين الأنظار والمواقف إزاءه.
فيراه مستحسنه ابتكارا وإبداعا
ويراه غيره بعكس ذلك، و في الأساليب البلاغية الشائعة ما يغني عنه..
والحديث عن المگَفي يأخذنا إلى الحديث عن حاجة جانب المحسنات عموما إلى قدر من الغربلة والتنقيح يجعله يساير ما حصل من تطور وتمحيص في جانب الشكل، فكما أن جوانب شكلية كثيرة كانت مقبولة عند الأقدمين يزخر بها موروثهم الشعري لم تعد اليوم مقبولة، فلا يبعد أن يكون في جانب المحسنات ما ينطبق عليه ذلك.
ولعل الموضوع ينال في قادم الأيام من اهتمام الباحثين في هذا المجال ما يكمل الصورة ويجليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *