الدكتور شغالي الناجي أحمد داده يكتب: الرفيق أحمد .. لحظة تتويج مستحقة

احتضن ملحق كلية الآداب والعلوم والإنسانية بجامعة نواكشوط العصرية يوم الخميس 17 يوليو ـ تموز! جلسة نقاش أطروحة دكتوراه تقدم بها الباحث الحصيف أخي وصديقي أحمد ولد محمد الحاج لنيل متطلبات درجة الدكتوراه في التاريخ المعاصر حملت عنوان: “تشكل الهويات في منطقة الساحل والصحراء خلال العصر الحديث: العوامل والانعكاسات (الشرق الموريتاني نقطة ارتكاز) تحت إشراف لجنة علمية ضمت كلا من:
ـ أ. د . محمدو ولد أمين ريئسا ـ جامعة نواكشوط
ـ أ. د. امحمد جبرون مناقشا ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط
ـ أ. د. الجيلالي العدناني مناقشا ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط
ـ أ. د. محمد الأمين ولد سيدي المختار مناقشا ـ جامعة نواكشوط
ـ أ. د. عبد الودود ولد عبد الله (ددود) مشرفا ـ جامعة نواكشوط
وقد حازت الأطروحة على درجة مشرفا جدا مع توصية مستحقة بالنشر.
وفي هذا السياق “إليْنْ جابْها الموجب باط” “ويعملنَ نُنواوْ…” لابد من كلمة ـ وربما هي الأولى ـ في حق رفيق دربي في مختلف محطاته بحلو أيامه ومرها الدكتور أحمد ولد محمد الحاج .. في أحد أيام مدينة كيفه الغائرة وفي أحد أحيائها الشرقية ربما على طريقة تعلقه ب”الشرق الموريتاني” وتحديدا في العام 1978 ولد الرفيق أحمد في أحد البيوتات المحافظة في بيئة محظرية خالصة سليمة من شوائب العصر وتعقيداته مما أتاح له حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر ونهل من معين قيم تلك البيئة الصافية .. بأبعادها البيئية والاجتماعية ما بين مرتفعات “أفله” وسهول “أركيبه”.
.. وفي العام 1997 غادر أرض الوطن متوجها إلى ساحل العاج حيث شكلت منطقة غرب إفريقيا حينها وجهة للعديد من أبناء الوطن عموما وولاية لعصابه على وجه الخصوص الحالمين بحياة أفضل من تلك التي خلفتها سنوات الجفاف الذي خيمت آثاره عقودا على مناطق البلاد… فقادته تلك التجربة إلى التنقل بين عدة دول غرب إفريقية على مدى سبع سنوات كانت كافية لإعادة النظر في توجيه البوصلة إلى أفق آخر أكثر اتساعا ورحابة وتأمينا للمستقبل .. ليعود إلى أرض الوطن في العام 2003 ويبدأ مشاريع خاصة في العاصمة الاقتصادية نواذيب التي لم تتسع هي الأخرى لسقف طموحاته .. ليقطع الشك باليقين أن لا طريق يرجى إلا العودة بأي ثمن إلى المسار الدراسي.
.. لكن السؤال المطروح يومها كان من أين ستكون البداية ؟ بعد كل هذه السنين من القطيعة! .. فكان لابد من رفع هذا التحدي بكل إصرار وعزيمة .. ليبدأ المسار الجديد (الميلاد) من مركز التكوين المهني بمدينة كيفه ليعود طالبا على مقاعد الدراسة بعد سنوات من الاستقرار والاستقلال المالي فما أصعبه من تحول يحتاج صبر الرجال وجلدهم! .. فكان مركز التكوين المهني ربما “نقطة ارتكاز” في هذا المسار الأقرب تصورا إلى التيه والتعقيد منه إلى وضوح الهدف!
ومن هنا جاءت فكرة مغامرة الباكالوريا على اعتبراها بوابة المستقبل ونقطة انطلاق في كل الاتجاهات لا غنى عنها.. ليحصل عليها 2008 بعد سنة طويلة عريضة من الجد والاجتهاد وكأنها أحلام يقظة تحققت … فتتح اجتياز الباكالوريا المجال أمام المسار الجامعي الذي انطلق من قسم التاريخ بجامعة نواكشوط والذي لم يكن ولوجه صدفة بل عن سبق إصرار فيما سيكشفه قابل الأيام بعد الحصول الليصانص وما تخللها من عقبات بفعل محطات النضال المتوهجة يومها دفاعا عن القضايا الطلابية وعن ثوابت الأمة و”هويتها” أصر الرفيق على مواصلة الطريق مهما كانت جسامة التحديات واتساع المتاهات فاحرز معقده في حصة الماستر رغم شدة المنافسة وكثرة أعداد المتقدمين لها.. وكأن الحلم تراءت أضواؤه المشعة في آخر النفق بعد إحراز شهادة الماستر… وتدهور زاد المرحلة وتكالب أعباء الحياة في مجتمع تغزوه قيم دخيلة على تاريخه المنكفئ على ذاته والمتكيف مع التحديات التي تفرضها ظروف “الساحل والصحراء”.
قرر الرفيق الالتحاق بسوق العمل بعد قطيعة دامت سنوات عديدة .. لكن هذه المرة من بوابة الوظيفة العمومية (المدرسة العليا للتعليم) التي تخرج منها أستاذا للتاريخ والجغرافيا محولا لضرورة عمل إلى داخل البلاد وما يعنيه ذلك من عزلة في المواصلات والاتصال وقطيعة شبه تامة مع مراكز البحث ورفوف المكتبات إلا أن ذلك التحدي لم يمنع الرفيق من مواصلة حلم الدكتوراه مراقبا كل فرصة قد تتاح .. فجاء التسجيل في مدرسة الدكتوراه “مكونة التاريخ المعاصر” بعدما كاد الحلم ينفلت من عقاله.
اليوم وبعد سنوات من البحث المضني والتحقيق والمقارنة والعزلة في عوالم المكتبات والمقابلات والزيارات الميدانية تم بحمد لله وعونه تتويج هذه المسار العلمي الصعب والمعقد بنيل درجة الدكتوراه في التاريخ المعاصر بميزة مشرف جدا مع توصية بالنشر في يوم مشهود في رحاب كلية الأدبية والعلوم الإنسانية.. “والله بعد الصحة”.
وعلى الضفة الأخرى … الرفيق أحمد شعلة من الأمل لا تنطفئ وموكب من النضال لا يتوقف .. وعهد من الوفاء لا ينقطع وأينقونة نضال لا تعرف الإنحاء ومعدن صدق لا ينضب وكف سخاء مبسوطة غير مقبوضة … عصامي جلد صبور إذا اختبرت الأيام معادن الرجال واحلكت الظروف واشتدت المحن.. رجل المهمات الصعبة حين يتناسى ذاته وراحته لإنجازها.
شاركت الرفيق أحمد تجربة سياسية مريرة تقاسمنا فيها قليل الخبز وكثير الطوى في أيام كالحات وفي ميادين لا تقبل إلا أصحاب السيارات الفارهة وصخب المهرجانات والمسيرات .. لكننا بزادنا البسيط ووسائلنا المتواضعة حينها وبصبر “أيوب”! الذي كان هو يتمثله في الكثير من جوانبه استطعنا إحراز مكانة سياسة رفيعة بصدق مسعاها وواقعية طرحها و”لخلاط مع الناس” الذي لا يحسنه الكثير من “السياسيين” أو أشباه السياسيين! .. فكنت أتضايق كثيرا من ضعف وسائلنا المنكهة للمعنويات قبل الجهد في مواجهة ضخامة ووفرة وسائل المناوئين .. وما أحسبه أحيانا “ش من لبرود..أو نطيره في مخيلتنا المجتمعية”… فكان دائما كلما أصب عليه جام غضبي بعد يوم شاق من المشي راجلين في أحياء كيفه التي ترشح لمقعد نائبها أو قرى بلدية أقورط التي ترشحت لمقعد عمدتها .. أو جلسة غير مفروشة لإعداد بعض مستلزمات الحملة من شعارات ولافتات خطينا يدويا على قطع قماش تعكس في بياضها صدق نياتنا وفي بساطتها تواضع وسائلنا شعارتها وكلماتها العريضة… أو بعد من رحلة إقناع لأحدى الشخصيات أو المجموعات التي تتلاشى أحلامها في التمويلات ودعم الحملة في غبار أرجلنا (منكزين من تكسي أعل حاشيت أطل)! … فكان صدر رفيقي رحب متسع لكل ذلك كبلسم يداوي كل الانكسارات ليحفر الأمل في ذلك الأفق المشوه الغائم .. تماما كآلة حفر يفجر صاحبها صخور الأرض متتبعا عروق الذهب! متناسيا المتاعب والمخاطر لما سيجنيه من ثورة رغم مشقة رحلته…. فما كنت أحسبه أحيانا “أبرود.. والل ذاك المان ساميين” ما كان إلا مستوى على من الصبر والقناعة والإيمان بالمبادئ والإصرار على بلوغ الهدف .. والنظر بسخرية إلى كل تلك المظاهر الزائفة والتي يصر على انكشافها طال الزمن أو قصر وفضح أصحابها .. وأن الجماهير ستلفظهم خارج دائرة التأثير فلا يمكن أن يستمر استغفال الشعوب واستغلالها.. لم تنتهي هذه الإطلالة فما زال في جعبتي الكثير لكن لا خيار مع الزمن.
لله الأمر من قبل ومن بعد.
كتبه شيغالي الناجي أحمد داده.
#الدكتور_شغالي_الناجي_أحمد_داده
#الأيام_نت
#تابعونا




