بين جدلية التصنيف وثقافة الانفتاح: قراءة هادئة في مسار التحول

كغيري، فقد اطلعت على مقال للأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني بعنوان “معنا أو ضدنا: منطق يقتل الموضوعية”. وبغض النظر عن التفاصيل، فإن هذا المقال يسلّط الضوء على ظاهرة مألوفة في النقاش الوطني: محاولات اختزال النقاش إلى معادلة “موالاة” و”معارضة”. إن هذا الطرح، رغم صدقه في الإحاطة بالواقع الجزئي، يحتاج إلى قراءة أوسع وأكثر هدوءًا، وهو ما نسعى إليه هنا، في محاولة لتقديم رد موضوعي يوازن بين الاعتراف بالتحول القائم وإبراز التحديات دون الانجرار إلى التصنيف القطبي.
ومن هذا المنطلق، وبغض النظر عن أي نقد، أود الإشادة بمقال الأستاذ بوحبيني لقدرته على لفت الانتباه إلى خطورة اختزال النقاش الوطني في ثنائية “معنا أو ضدنا”، وهو أمر مهم لكل من يحرص على موضوعية النقاش. وفي الوقت نفسه، يتيح هذا المقال فرصة للوقوف عند الأطر الأوسع للتحول السياسي، حيث يمكن أن نرى أن النهج الراهن يسعى إلى تجاوز هذا التصنيف الثنائي، عبر الانفتاح على الرأي المخالف وتعزيز ثقافة الاستماع قبل إصدار الحكم، بما يفتح المجال لنقد موضوعي وبنّاء دون اختزال أو تحيز.
لم تكن الثنائية التي تختزل النقاش العام في معادلة “موالاة” و“معارضة” يومًا وصفة صالحة لبناء الأوطان، ولن تكون كذلك مستقبلًا؛ فهي تُضعف النقاش الوطني وتُفقِد العمل العام عمقه الضروري. هذا إدراك استوعبه النهج الذي اختارته البلاد في مسارها الراهن منذ بدايته، فجعل من الانفتاح والتهدئة ركيزتين لأسلوبه في إدارة المرحلة، في محاولة واعية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة. وقد تجلّى هذا الخيار في خطاب سياسي أكثر هدوءًا، وفي فتح قنوات للنقاش وتوسيع دائرة الاستماع، وفي منح الفرصة للرأي المختلف ليجد مكانه في الفضاء العام دون خشية أو تهميش. لقد أُريد لهذه المرحلة أن تكون بداية صفحة جديدة، مرحلة يدرك فيها الجميع – قوى سياسية، مجتمع مدني، ومثقفون – أن الأفق أصبح واضحًا: لم يعد مكان لتهميش الرأي المخالف، ولا حاجة لشعارات الولاء المبالغ فيه، وأن هذا الخيار أصبح نهجًا لا رجعة فيه في إدارة الشأن العام.
وبخطوات محسوبة لكنها ثابتة، ترسم البلاد مسارًا لا يترك الكثير من المساحة للتردد، بل يدعو مختلف الأطراف، موالاة ومعارضة، إلى إدراك أن التحول الجاري ليس محطة مؤقتة بل مسارًا طويلًا يفتح الباب أمام من يواكبه، ويترك خلف الركب من يكتفي بالتفرج أو التوجس. إن المشاركة الفاعلة في هذا المسار لم تعد خيارًا تكتيكيًا بل استثمارًا في مستقبل وطني مشترك، يضمن للجميع أن يكونوا شركاء في بناء دولة أكثر استقرارًا وانفتاحًا.
إن قراءة المشهد السياسي الحالي بعيون الأمس قد تحجب عنّا مؤشرات هذا التغيير. فالنظام القائم، بما يعتريه من تحديات، لا يُظهر عداءً صريحًا للنقد ولا يعتبر كل ملاحظة تهديدًا؛ بل على العكس، اتسعت قنوات التعبير، وتكرّست صورة قيادة تضع الاستقرار والانفتاح في قلب مشروعها. هذه المقاربة الهادئة تتيح فرصة لنقد السياسات العامة من داخل المشروع الوطني، لا من خارجه، وتجعل من الحوار خيارًا واقعيًا بدل أن يبقى شعارًا. ومن هذا المنطلق، يظهر أثر هذه الروح في التمييز بين الاعتراف بالإنجاز والتنبيه بالقصور، ما يجعل كل نقاش أكثر صراحة وفاعلية.
ولعل ما يميز المرحلة الراهنة أن الاعتراف بالإنجاز لم يعد مرادفًا للولاء، كما أن التنبيه إلى أوجه القصور لم يعد تهمة بالعداء. فقد أصبح ممكنًا أن نثمّن النجاح في تأمين البلاد في بيئة إقليمية مضطربة، وأن نشيد بتقدم نظام الحالة المدنية، ونرحب بالحضور الدبلوماسي المتنامي، دون أن يُقرأ ذلك كاصطفاف أعمى. وفي الوقت نفسه، أصبح ممكنًا أن نرفع الصوت أمام التحديات في القطاعات الحيوية والخدمات العامة، ونشير إلى أن مستوى محاربة الفساد، رغم الجهود المبذولة، لم يبلغ بعد الطموح المنشود، من دون أن نُتهم بأننا خارج الصف. هذا التوازن الجديد في التعاطي مع الإنجاز والقصور يمهّد الطريق لمرحلة أوسع من الإصلاح والنقاش المسؤول، حيث يُمكن للنجاح والنقد أن يتكاملا بدل أن يتعارضا.
هذه الروح الجديدة لا تنفي التحديات ولا تغفل الأخطاء، لكنها تعكس إرادة سياسية لطي صفحة “مع أو ضد” واستبدالها بثقافة “مع الوطن دائمًا، وضد التقصير مهما كان مصدره”. في هذا السياق، يتضح أن الإصلاح ليس مجرد شعار، بل مسار طويل يتطلب من الجميع تجاوز ثنائية التخندق لصالح نقاش ناضج ومسؤول. ومن هذا المنطلق، تتضح أهمية القيادة التي توازن بين الإصغاء والحسم في اتخاذ القرار، وتحول الانفتاح إلى ممارسة يومية وليست مجرد مبدأ نظري.
هكذا تتجلى القيادة الرشيدة حين تُصغي أكثر مما تتحدث، وحين تبني مساحات ثقة تتسع للنقد والإشادة معًا؛ فالمستقبل لا يصنعه صدى الهتاف، ولا قسوة الاعتراض، بل التقاء الإرادات على أرضية وطنية واحدة.
محمد لحظانه
المستشار الفني لوزير التجهيز والنقل المكلف بالنقل الجوي