الدكتور أبي ولد محفوظ يكتب: نحن منكم وأنتم منا ولكن…

يُعني بالمجتمع الواحد؛ الوحدة الاجتماعية المنتظمة حول أسلوب حياة وقيم مشتركة، أو عصبية دم أو وفاء لمواثيق شراكة في السياسية أو في الاقتصاد أو في الدفاع المشترك ضد المخاطر المحتملة مهما كان نوعها ومصدرها، أو هو جميع هذه مجتمعة.
والدفاع الاجتماعي أو الدفاع المشترك، أو دفع الضرر الذي هو أقدس ما تقوم عليه العلاقة بين المجتمع الواحد (الركن الشديد) يتجلى في محاربة الشر الذي يترصد القوة الناتجة عن الاتحاد، لكن؛ كيف يجب أن نحارب الشر دون أن نصبح جزءًا من الشر نفسه؟ وكيف نواجه ظلام الطغيان دون أن يَخْمُدَ نُور الحقيقة الداخلي في ذواتنا؟
إن فقدان البوصلة هو ضياع روحاني في المسار الأخلاقي، ينجم -في الغالب- عن تأثير ضغوط الحياة وعن التنافس المحموم للمكاسب وعن التنازلات في سبيل تحقيق بعض الانتصرات الصورية، ويؤدي ذلك -في الغالب أيضا- إلى فقدان المصداقية وربما إلى التيه إذا لم تصاحبه ضوابط الاجتماع وقوانين الشراكة.
كثيرا ما تواجه الانسان مشكلة نفسية أو معضلة أخلاقية باسم الثورة على واقع ما، وقد يتحول إلى طاغية باسم الغيرة والثورة حتى رجل الدين؛ فيقمع أو يقتل باسم الطهارة، وهذا هو الجانب الأكثر ظلاما في النفس حين يعيش الانسان الفراغ، أو ينشغل بالتفكير العميق الذي تمليه الرغبة في الخروج من ظلمة الإنغماس في الظلام الداخلي، والرغبة في الخروج على سيطرة القيود والضوابط التي تَحُدُّ من حرية الإختيار.
لا تعني وحدة المصير أن يشملنا غُرْمُ تصرف طائش اقترفه سفيه منَّا في حالة نزوة أو طيش، ولا يعني ارتكاب فرد من المجتمع لأي خطإ ولا حتى اجترار جريرة؛ انْبِتَاتُ صلته بمجتمعه، ولكن توجد لكل من الحالتين ضوابط تنظمها بما ينسجم ومنطق العقل وضوابط الأخلاق لدى كل مجتمع على حدة.
من هنا يجب وضع الحدود لما يمكن أن يسمى غُنْماً يسعى المجتمع أو بعض أفراده إلى تحقيقه بقصد النفع العام، وما يسمى غُرْماً أو اعتداء على المجتمع؛ سيتضرر منه المجتمع ككل؛ حتى يطالب المجتمع أو بعض أفراده بصد العدوان عن الكيان (الوحدة الاجتماعية) وما قد يقع على فرد منه من فرد من مجتمع آخر كذلك، على اختلاف الحالات، واختلاف أسلوب التعامل مع كل حالة على حدة.
يستتبع هذا التحديد بالضرورة؛ تحديد مفهوم الغُنْمِ (الإنجاز المجتمعي) والغُرْمِ (الضرر الذي يتعدى المتضرر المباشر إلى المجتمع) وتحديد من هو صاحب الحق في دراسة الحالة، ومن ثم إلباسها باللبوس الملائم، وعندها سنصل منطقيا إلى شيء من العمومية والتجريد -في تحديد صاحب الحق- بقدر لا يفضي إلى الميوعة وانعدام الضوابط.
لا ينبغي، بل لا يمكن -اطلاقا- أن يترك الحبل على الغارب للعبث باسم المجتمع في لحظة أصبحت فيها الكلمة تنطلق من قارة فتسمع في أخرى، و التسجيل الصوتي يلف العالم في لحظات، كما لا ينبغي في سبيل تحقيق بعض المكاسب الآنية والمحلية أن يستخدم الاسم العام فيما قد يرتب ضررا، أما الإضرار به في سبيل ذلك؛ فأكبر من أختها.
وهنا أعود للتأكيد على أن المجتمع وحدة واحدة، يتضرر بضرر أحد أفراده، كما يستفيد من استفادة أحد أفراده شريطة أن لا يكون لتلك الاستفادة ارتداد سلبي ولو بعد حين، وأأكد؛ وهذا منطق كل منصف من أي انتماء (أننا) منكم وأنتم (منا) بشرط الالتزام بالشروط الناظمة لما تأسست علية السمعة العامة للمجتمع، وبشرط الرجوع قبل التصرف إلى المرجعيات الدينية والفكرية، لا إلى الغوغاء وطيش الاندفاع اللاعقلاني وغير المتبصر.
من مرارة الواقع