خطاب الحوض الشرقي: بين وضوح الرسالة ومحاولات إغراقها في قراءات ملتوية

في خضمّ التفاعل الواسع الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي عقب زيارة فخامة رئيس الجمهورية لولاية الحوض الشرقي، برزت قراءات متعددة حاول بعضها أن يربط بين خطاب الرئيس وقضايا لم يتناولها الرجل لا تصريحًا ولا تلميحًا. والأغرب أن هذا الربط جاء مصحوبًا بإهمال متعمّد للجوانب التنموية والاجتماعية الواضحة التي حملتها الزيارة، وكأن المطلوب دفع النقاش بعيدًا عن صلب الأولويات التي حرص الرئيس على إبرازها بإصرار ووضوح.
فالزيارة – في مضمونها ورسائلها – لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل أعادت التأكيد على مرتكزات ظلّ المواطن يطالب بها منذ سنوات: تحسين الحكامة، مواجهة الاختلالات الإدارية، تثبيت قيم العدالة، وتكريس الهوية الجامعة التي تحفظ للدولة توازنها واستقرارها. وهي قضايا لا تحتمل التأويل، وتلتقي موضوعيًا مع ما يرفعه أي طرف سياسي صادق في دعوته للإصلاح ومحاربة الفساد، بعيدًا عن ضجيج المزايدات أو إحياء حساسيات لا تخدم المصلحة العامة.
غير أن بعض الفاعلين اختار تجاوز هذا الجوهر، متعاملين مع الخطاب وكأنه مجرد مادة قابلة للتحميل الانتقائي. فبدل التوقف عند ما حمله من رسائل اجتماعية وتنموية واضحة، اتجه التركيز إلى استنتاجات مُعلّبة تُنسب للخطاب دون أن تجد لها أثرًا فيه. وهنا يظهر — ولو بلغة غير مباشرة — أن الانشغال بتأويلات حول التعديل الدستوري حجب، للأسف، فرصة نقاش ما هو أهم بكثير: مضامين الخطاب نفسه وما طرحه من أولويات ملحّة.
ولعلّ أكثر ما عكس هذا الافتعال هو الإقحام غير المبرّر لموضوع التعديل الدستوري في سياق الزيارة. فالرئيس لم يتحدث عن الدستور، ولم يُلمّح إليه، ولم يُشر – لا من قريب ولا من بعيد – إلى المأمورية الثالثة أو زيادة سنوات المأموريات أو أي فكرة مشابهة. كانت الزيارة تنموية اجتماعية بامتياز، ولم يكن فيها من السياسة إلا الدعوة الصريحة إلى ضرورة المشاركة في الحوار الوطني المرتقب. وبالتالي، فإن تحويل الأنظار نحو موضوع لا يحتل – أصلًا – موقعًا مركزيًا في خطاب الرئيس ولا في جدول أولويات المواطنين، بدا وكأنه صرفٌ للأنظار أكثر مما هو بحث عن حقيقة.
ومع ذلك، ولتجنب الخلط المفتعل، ينبغي التذكير بأن الحوار – بطبيعته – فضاء مفتوح على كل المواضيع التي يراها المتحاورون جديرة بالنقاش، بما في ذلك الدستور ذاته. فالدستور، في النهاية، وثيقة صادرة عن الشعب، وللشعب وحده الحق في مراجعته أو تعديله أو تحيينه متى رأى أن ذلك يحقق المصلحة العامة، دون وصاية من أحد، ودون أن يكون للنقاش في هذا الموضوع أي دلالة مسبقة أو جاهزة.
وفي خضمّ هذا الجدل المصطنع، تتراجع أحيانًا الأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن تشغل الرأي العام: كيف تتعاطى الحكومة مع التوجيهات الرئاسية؟ وكيف تُترجم هذه التوجيهات إلى سياسات عملية وإجراءات ملموسة بدل الاكتفاء ببيانات إنشائية أو ردود فعل متأخرة؟ فالحاجة اليوم ليست إلى الغرق في تأويلات حول قضايا جانبية، بل إلى التركيز على جوهر الخطابات وكيفية تحويل مضامينها إلى واقع. فهذه هي ساحة العمل، وهذا هو الشغل الشاغل الذي ينتظره المواطن قبل أي نقاش آخر.
لقد كان خطاب الحوض الشرقي مناسبة لتذكير الجميع بأن الإصلاح لا يحتاج إلى معارك جانبية، بل إلى وعي يبقي النقاش حيث يجب أن يكون: عند أولويات الناس، وقيم الدولة، ومسار التنمية، بعيدًا عن القراءات التي تُقرأ فيها الرغبات أكثر مما يُقرأ فيها النص.
محمد لحظانه