حين يصنع الخطاب أزمةً لا يصنعها الواقع: الوحدة الوطنية بين الضجيج والطمأنينة / محمد ولد لحظانه

ليست كل قضيةٍ تتصدر النقاش العام دليلًا على وجود أزمة حقيقية.
ففي السياسة، لا تكبر الملفات دائمًا بحجم الوقائع، بل بحجم الكلام عنها.
وكم من عنوانٍ وُلد صغيرًا في الواقع، ثم تضخّم في الخطاب حتى بدا كأنه الخطر الأكبر.
هنا تبدأ مفارقةٌ كثيرًا ما تغيب عنا:
أحيانًا لا نصنع المشكلة لأننا نعيشها… بل لأننا نكرر الحديث عنها حتى تتجسّد في الأذهان وكأنها واقع قائم.
ومن بين أكثر العناوين التي سلكت هذا المسار، يتكرر الحديث عن «الوحدة الوطنية» بوصفها ملفًا مفتوحًا على الدوام، وكأن المجتمع يقف دائمًا على حافة تصدّع.
يتقدم التحذير على الطمأنينة، ويغدو التماسك حالةً تحتاج إلى إثبات مستمر، لا قاعدة طبيعية تنطلق منها الحياة.
غير أن نظرة هادئة إلى الواقع تكشف صورةً مغايرة تمامًا.
في موريتانيا، حيث يتقاطع التنوع الاجتماعي والثقافي داخل فضاء واحد، تسير الحياة ببساطة لافتة:
مدارس تجمع أبناء الجميع،
وإدارات تعمل دون فرز،
وأسواق وأماكن عمل تذيب الفوارق أكثر مما تبرزها.
وإلى جانب المصالح المشتركة، ثمة عامل أعمق يعمل في صمت، قلّما يُلتفت إليه:
الإسلام، بوصفه القاسم القيمي والثقافي الجامع، يمنح النسيج الاجتماعي أرضية أخلاقية موحّدة، ويخلق حدًا أدنى من التوافق الفطري بين الناس.
لا يرفع شعارًا، ولا يفرض حضورًا صاخبًا، لكنه يؤدي دور «صمام أمان» هادئ، يخفف الاحتكاك قبل أن يتحول إلى صراع.
لذلك، لا تبدو في الحياة اليومية مؤشرات على انقسام بنيوي أو توتر جماعي يبرر حجم القلق المتداول.
وهنا تتضح الفجوة بجلاء:
الواقع مطمئن… والخطاب قلق.
فمن أين يأتي هذا القلق؟
المفارقة أن هذه الهواجس، على الرغم من هشاشتها الواقعية، لم تعد مجرد موضوع عابر، بل أخذت تتصدر مائدة الحوار المرتقب، وتستحوذ على مساحة من النقاش العام تفوق وزنها الحقيقي.
وكأن قضية لم تُثبت الوقائع رسوخها تتحول، بفعل التكرار وحده، إلى أولوية سياسية وخطابية، بينما تتراجع ملفات أكثر التصاقًا بحياة الناس إلى الصفوف الخلفية.
جزء معتبر من هذا القلق يُصنع سياسيًا.
وإذا كان يرى البعض أن اختلاف القوى السياسية، أو صعود أصوات متطرفة، أو حتى ظهور حركات ذات خطابٍ شرائحي أو عنصري، قد يمسّ بالوحدة الوطنية ويهدد تماسك المجتمع، فإن التجربة الواقعية تكذّب هذا الطرح أكثر مما تؤيده.
فمثل هذه الأطروحات، مهما علا ضجيجها، تبقى محدودة الأثر، لأن المجتمع أعمق من الشعارات، وأرسخ من أن تهزه خطابات عابرة.
لقد أثبتت الوقائع أن الناس في حياتهم اليومية أقل قابلية للانجرار وراء هذه الاصطفافات المصطنعة، وأكثر ميلًا إلى ما يجمعهم من مصالح وروابط وقيم مشتركة.
فالقضايا الهوياتية بطبيعتها أقل كلفة وأكثر قدرة على التعبئة؛
لا تحتاج إلى برامج تفصيلية ولا حلول تقنية، يكفي أن تلامس المشاعر حتى تتصدر المشهد.
ولهذا تتحول، في أوقات ضيق الخيارات، إلى ملاذٍ سهل وخطابٍ سريع التأثير.
كلما تراجعت القدرة على تقديم حلول اقتصادية أو اجتماعية ملموسة،
وكلما ضاق هامش الفعل السياسي الواقعي،
عاد هذا الملف إلى الواجهة.
تُضخَّم الفوارق، وتُقرأ الوقائع بانتقائية، ويُقدَّم الاحتمال وكأنه خطرٌ وشيك.
فتغدو القضية، في كثير من الأحيان، أداة تموضع وخطاب ضغط، أكثر منها تشخيصًا موضوعيًا لمشكلة قائمة.
غير أن الخطاب، حين يتكرر بما يكفي، لا يبقى مجرد كلام.
فمع الوقت يتحول إلى قناعة عامة، ثم إلى افتراضٍ ضمني تتعامل معه المؤسسات كما لو كان حقيقة ثابتة.
وهنا تبدأ حلقة أكثر تعقيدًا.
بدافع الاحتياط وتفادي التأويل، قد تُستحضر هذه الهواجس داخل بعض السياسات والقرارات، فتُراعى اعتبارات رمزية وتوازنات مفترضة في التعيين وإسناد المسؤوليات، بدل أن تكون الكفاءة والاستحقاق المعيار الوحيد.
لا لأن الواقع يفرض ذلك،
بل لأن الخطاب رسّخ شعورًا بأن ثمة خطرًا ينبغي التحسب له.
وهكذا تكتمل الحلقة:
خطابٌ يهوّل… فتأتي سياسات تحتاط… فيُقرأ الاحتياط دليلًا على وجود الخطر… فيزداد التهويل.
بينما يظل المجتمع، في تفاصيل حياته اليومية، أكثر هدوءًا من كل هذا الضجيج.
فالمجتمعات لا تُقاس بما يُقال عنها فوق المنصات، بل بما تعيشه في تفاصيلها الصغيرة.
فالانسجام لا يعلن عن نفسه، والتعايش لا يحتاج إلى شعار، والوحدة الحقيقية لا تثبتها الخطب، بل يثبتها انتظام الحياة.
ومن هنا، ربما تكون الحكمة السياسية أبسط مما نتصور:
أن نضع كل قضية في حجمها الطبيعي،
وألا نسمح للكلام أن يصنع أزمات أكبر من الواقع.
هكذا نفهم أن بعض الأزمات قد تكون صناعة خطاب أكثر منها نتاج واقع،
وأن الطمأنينة حين تكون راسخة في حياة الناس لا تحتاج إلى ضجيجٍ لتثبت وجودها… بل إلى قدرٍ من التعقل حتى لا نبددها بأنفسنا.
محمد لحظانه