ولد اجاي و معيار الأداء / محمد ولد لحظانه

في الفضاء العام، يظلّ الاختلاف سنّة السياسة، والهجوم جزءًا من عدّتها. لذلك لا يدهش أن تُوجَّه سهام النقد نحو المختار ولد أجاي؛ فالمعارضة درجت على مقاربة لا تميّز كثيرًا بين التفصيل والجوهر، ولا بين ما يُصيب وما يُخطئ. ذلك خيارها، وتلك طريقتها في قراءة المشهد.
غير أن السؤال الأهم لا يقف عند حدود النقد، بل يتجاوزُه إلى معنى حضوره وتوقيته وسياقه.
فما يدعو إلى التأمل ليس النقد في ذاته، بل أن تتردّد أصداؤه أحيانًا من داخل الدائرة التي يُفترض أنها الأقدر على فهم سياق القرار وحدوده. هنا يتبدّل مستوى النقاش؛ إذ حين تختلط النبرات، وتتقارب المفردات، يصبح السؤال أعمق من مجرد اختلاف في التقدير. إنه سؤال تموضع وانسجام، وسؤال وعيٍ بطبيعة المرحلة وما تقتضيه من تماسك في الرؤية قبل تماسك في الخطاب. ومن هذا المنظور تحديدًا، يتضح أن المسألة ليست في تعدد الآراء، بل في كيفية انتظامها داخل المسار العام.
ذلك أن المشاريع الإصلاحية لا تُبنى فقط بالقرارات، بل تُحمى أيضًا بقدر من الانضباط السياسي ووضوح الأدوار. فالتباين المشروع يظل عنصرَ إثراءٍ ما دام لا يتحوّل إلى إضعافٍ للثقة في لحظة التنفيذ. ليس المطلوب اصطفافًا صامتًا، ولا تعطيلًا للنقاش، بل نقاشًا يُثري المسار ولا يربكه، ويقوّي الثقة ولا يبدّدها. وهنا بالذات يتحدد الفرق بين الاختلاف الذي يُنمّي التجربة، والاختلاف الذي يستهلك طاقتها.
وفي هذا السياق، يواصل الرجل عمله بهدوء، مستندًا إلى معيار الأداء لا إلى إيقاع الجدل. وما كان لمسارٍ تنفيذي أن يستمر بالوتيرة ذاتها لولا أنه ما يزال يتحرّك ضمن دائرة الثقة السياسية العليا، في انسجامٍ ظاهر مع رؤية القيادة وتوجّهاتها العامة. فاستمرار التكليف في ذاته رسالة صامتة؛ لا تُعلن في بيانات، بل تُقرأ في ثبات الموقع واستقرار القرار. ومن هنا يصبح القياس الطبيعي هو قياس النتائج لا قياس الضجيج.
وعليه، فإن الإنصاف يقتضي أن يكون الحكم على الحصيلة لا على موجات القول العابر. فالإدارة الرشيدة لا تُقاس بحدّة الخطاب، بل بقدرتها على تحويل الرؤية إلى أفعال ملموسة، وعلى إدارة التوازن بين الطموح والإمكان. ذلك هو الميزان الحقيقي الذي تُوزن به التجارب، بعيدًا عن حرارة اللحظة.
ثم إن الإنجازات، أيًّا كان حجمها، لا تُصنع بالشعارات وحدها. فهي تحتاج إلى موارد، والموارد لا تنتظم من دون نظام ضريبي واضح وعادل يموّل الطموح العام ويصون استدامته. ومن يطالب بخدمات أفضل وبنية أقوى عليه أن يتقبّل منطق الكلفة العادلة؛ فالثمار لا تنبت في أرضٍ تُرفض جذورها. وهكذا يكتمل الخيط الناظم للنقاش: إصلاحٌ يتطلب انسجامًا، وثقةً تُقاس بالاستمرار، ونتائجَ تُحكم بميزان العمل لا بمرآة الجدل.