إسماعيل ولد عبد الفتاح … رجل الدولة حين يمضي من ميدان الخدمة إلى رحاب الدبلوماسية / سيد أحمد عبدي

في مسيرة الدول رجالٌ إذا ذُكرت المناصب حضروا، وإذا ذُكرت المسؤوليات تَصدَّروا، لأنهم لم يكونوا عابري طريق في سجل الخدمة العامة، بل كانوا من أولئك الذين تُصاغ بهم صفحات العمل الوطني. ومن هؤلاء يبرز اسم السيد إسماعيل ولد عبد الفتاح، الذي اختير اليوم سفيراً للجمهورية الإسلامية الموريتانية لدى روسيا الاتحادية، بعد مسار مهني وسياسي زاخر بالعطاء والتجربة.
وما كانت الدبلوماسية لتستقبل هذا الرجل إلا وهو يحمل في رصيده خبرة طويلة، تراكمت عبر سنوات من العمل في ميادين الاقتصاد والطاقة والإدارة العمومية، حتى غدا واحداً من الوجوه التي جمعت بين المعرفة التقنية والرؤية السياسية، وبين الحضور الاجتماعي الوازن والقدرة على إدارة الملفات الكبرى.
وُلد إسماعيل ولد عبد الفتاح سنة 1964 في مدينة بتلميت، تلك الحاضرة العلمية التي أنجبت عبر التاريخ رجال فكر وسياسة، وكأنها أرادت أن تضيف إلى سجلها اسماً جديداً في مسيرة الدولة الحديثة. وقد تلقى تكوينه العالي في الجامعات الفرنسية، حيث تخصص في مجالات الهندسة والمحروقات والمالية، فنال شهادة مهندس من المدرسة المركزية بمدينة ليل، كما حصل على شهادات متقدمة في تطوير واستغلال الحقول البترولية والمالية من مؤسسات أكاديمية مرموقة بفرنسا.
بدأ مسيرته المهنية في فضاء الشركات الدولية، فعمل مهندس دراسات لدى شركة FMC Energy، ثم مهندساً تقنياً تجارياً لدى شركة Schlumberger International، قبل أن يعود إلى وطنه ليسهم في تطوير قطاع الطاقة، حيث تولى إدارة العمليات في الشركة الموريتانية للمحروقات، مكتسباً خبرة عملية عميقة في إدارة المشاريع والموارد الاستراتيجية.
ومع تراكم التجربة، لم يكن غريباً أن تستدعيه الدولة إلى مواقع القرار؛ فعُيّن مكلفاً بمهمة في وزارة البترول والمعادن والطاقة، حيث عمل على ملفات تتعلق بالتحول الطاقوي وتطوير الطاقات الجديدة، قبل أن يُعيَّن في يوليو 2023 وزيراً للمياه والصرف الصحي.
وفي هذا المنصب، تعامل مع واحد من أكثر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين اليومية، وهو قطاع المياه والصرف الصحي، في بلدٍ مترامي الأطراف تتفاوت فيه الظروف البيئية والموارد المائية. وقد عُرف خلال تلك الفترة بنهجٍ عمليٍّ يركز على المتابعة الميدانية للمشاريع، والسعي إلى تحسين خدمات المياه والصرف الصحي في العاصمة والمدن الداخلية، إدراكاً منه أن التنمية الحقيقية تبدأ من توفير مقومات الحياة الكريمة للمواطن.
واليوم، وهو يُعيَّن سفيراً لموريتانيا في موسكو، فإن الدولة الموريتانية إنما ترسل إلى واحدة من العواصم الدولية الكبرى رجلاً يحمل رصيداً من التجربة والخبرة، وقادراً على تمثيل بلاده في فضاء دبلوماسي يتطلب الحنكة والاطلاع الواسع. فالعلاقات الدولية ليست مجرد تبادل رسمي، بل هي بناء جسور بين الشعوب والاقتصادات والثقافات، وهي مهمة تحتاج إلى شخصية تجمع بين الحكمة والرصانة.
ولعل ما يميز إسماعيل ولد عبد الفتاح، إلى جانب خبرته المهنية، حضوره الاجتماعي المعروف واتصاله الدائم بمحيطه، مما جعله شخصية تحظى بتقدير واسع في الأوساط السياسية والاجتماعية على السواء. فالرجل الذي خبر الإدارة والاقتصاد، وعرف دهاليز العمل الحكومي، يمتلك كذلك تلك القدرة النادرة على الجمع بين الصرامة المهنية والبعد الإنساني.
وهكذا يواصل إسماعيل ولد عبد الفتاح رحلته في سجل العمل الوطني، حاملاً اسم موريتانيا إلى موسكو، ومضيفاً صفحة جديدة إلى مسيرة رجلٍ ظل وفياً لفكرة واحدة: أن خدمة الوطن شرف لا تحده المناصب، بل تتجدد به المسؤوليات.