الضريبة بين منطق الدولة وضجيج النقاش / محمد ولد لحظانه

أثار الجدل الذي رافق الزيادة الضريبية التي تضمنها قانون المالية لسنة 2026 على الهواتف النقالة موجة من النقاش، وهو أمر طبيعي في القضايا المرتبطة بالسياسات المالية للدولة. فكل قرار مالي يمس حياة المواطنين أو أنشطة السوق يكون، بطبيعته، موضوع نقاش عمومي. غير أن ما يلفت الانتباه في هذا الجدل ليس وجود النقاش في حد ذاته، بل طبيعته ومصدره؛ إذ جاء الهجوم الذي تعرّض له الوزير الأول من جهات تُحسب عادة ضمن الأغلبية الداعمة، وهو ما يضفي على المشهد مفارقة تستحق التوقف عندها وتأمل دلالاتها.

ويزداد هذا التساؤل وجاهة حين نلاحظ أن هذا التحامل لم يظهر بالحدة نفسها خلال مراحل إعداد ومناقشة قانون الميزانية، وهي اللحظة التي تُطرح فيها الخيارات المالية للدولة وتُناقش الأولويات داخل الأطر المؤسسية. ففي تلك المرحلة يكون المجال مفتوحًا للاعتراض والنقاش وتقديم البدائل. أما أن يغيب الاعتراض في لحظة النقاش المؤسسي، ثم يظهر بقوة عند لحظة التنفيذ، فذلك ما يدفع المتابع إلى التساؤل بهدوء عن طبيعة هذا الجدل وتوقيته، وعن الخلفيات التي جعلت بعض الأصوات تختار لحظة التطبيق لتعلن اعتراضها.

ومن هنا يبدأ الخيط الذي يقود إلى فهم أعمق لطبيعة القضية. فالسياسات المالية الكبرى لا تُصاغ عادة بوصفها قرارات تقنية معزولة، بل تأتي ضمن توجه عام تتبناه الدولة في إدارة اقتصادها وتنظيم علاقتها المالية بالمجتمع. ولهذا فإن تحويل النقد إلى استهداف مباشر للحكومة في شأن يرتبط بقانون مالي أُقرّ ضمن المسار المؤسسي يجعل هذا النقد يتجاوز، في جوهره، حدود الجهاز التنفيذي.

ففي مثل هذه الحالات، لا يُقرأ الخطاب السياسي فقط بوصفه اعتراضًا على إجراء حكومي بعينه، بل قد يُفهم — حتى دون قصد — بوصفه تشكيكًا في التوجه العام الذي اختارته الدولة. كما قد يفتح الباب أمام تأويلات تتعلق بمدى تماسك الأغلبية الداعمة، وهي تأويلات لا تضيف كثيرًا إلى النقاش الموضوعي بقدر ما قد تخلق حالة من الالتباس في المشهد السياسي.

غير أن القضية، في جوهرها، أعمق من ضريبة بعينها. فالدول لا تُدار خارج الأطر القانونية والمؤسسية، ولا يمكن لأي قطاع أو نشاط اقتصادي أن يبقى خارج دائرة التنظيم والمساهمة في الجهد العام. فقيام الدولة الحديثة يقوم على معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها أساسية في معناها: الحقوق تقابلها واجبات، والمشاركة في بناء الدولة مسؤولية جماعية.

ومن هذا المنطلق، تصبح الضرائب جزءًا طبيعيًا من هذه المعادلة. فهي المورد الذي تعتمد عليه الدول لتمويل سياساتها العمومية وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها. وحتى الدول التي تمتلك موارد طبيعية ضخمة لم تستغنِ يومًا عن الضرائب، لأنها تمثل المصدر الأكثر استدامة لتنظيم العلاقة المالية بين الدولة والمجتمع. ومن باب أولى أن يكون هذا الأمر أكثر وضوحًا في الدول التي لا تتوفر على مثل تلك الوفرة من الموارد.

وهنا تظهر مفارقة أخرى في هذا النقاش. فكثير من الأصوات التي ترتفع مطالبة — عن حق — بتحسين وضعية قطاع التعليم وتعزيز قدرات قوات الأمن، وهما قطاعان يشكلان العمود الفقري للخدمة العمومية ويستوعبان نسبة كبيرة من موظفي الدولة، تتجاهل أحيانًا أن تحقيق هذه المطالب لا يمكن أن يتم دون موارد مالية حقيقية ومستقرة. فهذه القطاعات الحيوية لا يمكن أن يعتمد استقرارها على الدعم الخارجي أو الحلول الظرفية، بل على إمكانات الدولة نفسها وعلى قدرتها على تعبئة مواردها.

بل إن الإبقاء على أوضاع لا توفر الحد الأدنى من الجاذبية المهنية في هذه المهن قد يؤدي مع مرور الوقت إلى عزوف المواطنين عن الانخراط فيها، وهو ما قد ينعكس سلبًا على جودة الخدمة العمومية واستقرارها. وعند تلك النقطة تصبح كلفة التردد في معالجة الاختلالات أكبر بكثير من كلفة القرارات التي يُجادل حولها اليوم.

وفي هذا السياق، ينبغي التذكير بأن مسارات الإصلاح — خصوصًا في المجال المالي — نادرًا ما تكون سهلة القبول في بداياتها. فإعادة ترتيب الأولويات أو توسيع قاعدة الموارد قد يثيران بطبيعة الحال نقاشًا واسعًا، لأنهما يمسان توازنات اعتاد عليها المجتمع. غير أن التجارب الاقتصادية والسياسية عبر العالم تظهر أن كثيرًا من القرارات التي بدت ثقيلة في لحظتها كانت في الواقع خطوات ضرورية لتصحيح الاختلالات وبناء توازنات أكثر استدامة في المالية العمومية.

ولذلك، فإن قراءة متأنية لهذه الحملة تكشف أنها، في كثير من تجلياتها، تبتعد عن النقاش الموضوعي الهادئ حول السياسات المالية، لتأخذ أحيانًا طابعًا أقرب إلى اصطفاف غير مباشر في مواجهة ما تمليه اعتبارات المصلحة العامة ومتطلبات توازن المالية العمومية.

ومن هنا يبدو أن النقاش الأكثر جدوى ما كان ينبغي أن يكون حول مبدأ الضريبة في حد ذاته، بل حول كيفية توجيه الموارد المتحصلة منها. فلو أن هذه الزوبعة تحولت إلى مطالبة واضحة بأن تُوجَّه هذه الإيرادات إلى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض — إلى التعليم والأمن والخدمات الأساسية — لكان ذلك نقاشًا مفهومًا ومثمرًا في آن واحد. بل لأسهم في نقل الجدل من مجرد رد فعل لحظي إلى مساهمة واعية في توجيه السياسات العمومية.

وهكذا، بين منطق الدولة وضجيج اللحظة، يتضح أن السؤال الحقيقي أبسط مما يبدو. فالقضية ليست في وجود الضريبة أو غيابها، بل في القدرة على بناء معادلة متوازنة: دولة تمتلك الموارد التي تمكّنها من أداء واجباتها، ومجتمع يطمئن إلى أن هذه الموارد تتحول فعلًا إلى استثمار في الإنسان وفي استقرار الوطن.

وهكذا نفهم أن النقاش الصحي حول السياسات المالية لا ينبغي أن يدور حول رفض القرارات أو قبولها فحسب، بل حول الكيفية التي تجعل من الجهد الجماعي طريقًا لبناء دولة أكثر قدرة على خدمة مواطنيها وأكثر رسوخًا في استقرارها.

محمد لحظانه

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى