قراءة في بيان حزب الإنصاف بعد دورة 9 مايو 2026 / محمد ولد لحظانه

أثار بعض التثمين الذي رافق نتائج دورة حزب الإنصاف المنعقدة بتاريخ 9 مايو 2026 كثيرًا من التساؤلات، خصوصًا أن مخرجات الدورة، في مضمونها العام، لم تعكس — بالنسبة لعدد من المتابعين — ذلك التحول السياسي أو الديناميكية الجديدة التي حاول البعض الإيحاء بها.
فخلال الفترة الأخيرة، ساد انطباع لدى جزء من الرأي العام بأن التغييرات التي عرفها الحزب قد تمثل بداية مرحلة أكثر حيوية وفاعلية، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو في طريقة التفاعل مع القضايا اليومية للمواطنين. غير أن البيان الصادر عقب دورته بدا أقرب إلى استمرار النسق التقليدي ذاته، دون أن تظهر فيه بوضوح مؤشرات انتقال فعلي نحو خطاب سياسي أكثر قربًا من الواقع وأكثر قدرة على صناعة التفاعل.
وربما يرتبط جانب من هذا الوضع بطبيعة المرحلة التنظيمية التي يعيشها الحزب منذ فترة، حيث تبدو الحاجة قائمة إلى تجديد أوسع يضخ حيوية أكبر داخل الهياكل، ويمنحها ارتباطًا أعمق بالحراك القاعدي والنبض الميداني. فالأحزاب السياسية تكتسب فاعليتها الحقيقية حين تكون حركتها الداخلية معبرة بصورة طبيعية عن المزاج العام للمناضلين والرأي العام، بما يسمح بتجدد الأفكار وتطوير أدوات الخطاب والتفاعل.
وفي هذا السياق، بدا واضحًا أن جدول أعمال الدورة اتجه نحو عناوين عامة ومتعددة، شملت التنظيم والإعلام والمياه والأعلاف والحدود والوضع الإقليمي. ورغم أهمية هذه الملفات، فإن طريقة طرحها بدت واسعة أكثر من كونها مركزة، ولم تمنح الحيز الكافي للقضايا الأكثر حضورًا في اهتمامات المواطن اليومية، مثل المعيشة والقدرة الشرائية وفرص التشغيل وتحسين الخدمات الأساسية.
ومع هذا التوسع في الملفات، بدا الخطاب السياسي للحزب أقل تركيزًا في مخاطبة المزاج العام، وكأن البيان حاول الإحاطة بعدة عناوين في وقت واحد، دون أن يبلور رسائل واضحة وقوية حول الأولويات التي تشغل الرأي العام في هذه المرحلة.
ومن هنا برزت ملاحظة أكثر أهمية تتعلق بطريقة حضور الحزب في النقاشات العمومية الجارية. ففي ظل تصاعد الجدل المرتبط بزيادات المحروقات وما رافقها من انتقادات موجهة للنظام، كان يُنتظر من الحزب، باعتباره الواجهة السياسية الداعمة للسلطة، أن يكون أكثر حضورًا في توضيح خلفيات السياسات العمومية وشرح أبعادها الاقتصادية والاجتماعية بلغة سياسية هادئة ومقنعة، بدل ترك المجال واسعًا أمام التأويلات وردود الفعل المتضاربة.
كما ظهر هذا القصور بصورة أوضح في التعاطي مع التفاعلات التي أعقبت الأحكام الصادرة بحق نواب حركة إيرا غير المرخصة، حيث بدا حضور الحزب خافتًا، رغم أن جزءًا من الخطاب المتداول حاول، بشكل غير مباشر، تحميل النظام مسؤولية تلك الأحكام. وكان من الممكن أن يساهم خطاب سياسي أكثر توازنًا ووضوحًا في الفصل بين المسار القضائي والسجال السياسي، بما يساعد على تهدئة النقاش وتوضيح الصورة أمام الرأي العام.
وبذلك، يبدو أن الإشكال لا يتعلق بغياب النشاط الحزبي في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بضعف تحويل هذا النشاط إلى أثر سياسي ملموس. فالاجتماعات والبيانات، مهما تعددت، لا تكتسب قيمتها إلا حين تتحول إلى تواصل فعلي مع المواطن، وإلى قدرة على مواكبة النقاشات والانشغالات اليومية بخطاب واضح وقريب من الناس.
وفي النهاية، تبقى قوة الأحزاب السياسية في قدرتها على أن تكون حاضرة في لحظة النقاش، وأن تملأ مساحة التفسير قبل أن تملأها التأويلات. فحين يبتعد الخطاب السياسي عن هموم المواطن، يصبح الحضور التنظيمي وحده غير كافٍ لصناعة الأثر أو بناء الثقة.
محمد لحظانه