الدكتور الكنتي. يكتب: المجاهد الأكبر

كان بورقيبة يلقب نفسه بالمجاهد الأكبر وهو الذي لم يخض معركة في حياته المديدة، ولم يطلق رصاصة واحدة على هدف أو في الهواء… كان جهاده نضالا مريرا من أجل السلطة، ومن أجل تشكيل المجتمع التونسي كما شكل أتاتورك المجتمع التركي المسلم. جمع بين الرجلين شغفهما بالتقدم الاقتصادي، والتطور الاجتماعي وعداؤهما للإسلام عقيدة وشريعة. الجهاد إذن فعل لا يتحدد بالنية فقط، وإنما تتحكم فيه الظروف التي يمارس فيها. قد تكون تلك الظروف مساعدة أو مثبطة تبعا لأهداف رعاة الجهاد المعلنة والخفية.
انطلق الجهاد في أفغانستان بدخول الجيش السوفييتي إلى أفغانستان لدعم الحكومة الشيوعية، في 25 ديسمبر 1979، في ظروف مضطربة شهدها الوطن العربي والعالم الإسلامي ضمن أجواء الحرب الباردة. فقد شهدت المنطقة أحداثا كان لها تأثير مباشر على زخم الجهاد في أفغانستان. في الخامس من يوليو 1977 أطاح الجنرال ضياء الحق بحكومة ذو الفقار علي بوتو،
وحكم باكستان المجاورة لأفغانستان، بالتعاون مع القوى الدينية التي نشطت في معارضة علي بوتو. في 17 يناير 1978 اندلعت الثورة الإيرانية. في 17 من سبتمبر 1978 تم توقيع اتفاقية كامب ديفد بين مصر والكيان الصهيوني، فخرجت مصر من الصراع العربي الصهيوني. وانقسم الزعماء والشارع العربي حول الموقف من مصر والسادات. في 27 ديسمبر 1978 توفي الرئيس الجزائري هواري بومدين. في 19 فبراير 1979 انتصرت الثورة الإيرانية مؤذنة بقيام جمهورية إيران الإسلامية. في 20 نوفمبر 1979 احتل جهيمان العتيبي الكعبة الشريفة. في 04 ديسمبر 1979 أنهي احتلال الكعبة بتدخل عسكري أسفر عن ضحايا.
احتل السوفييت أفغانستان بعد 11 شهرا من انتصار الثورة الإيرانية، وبعد 35 يوما من احتلال جهيمان للكعبة الشريفة، وبعد 21 يوما من تحريرها من قبضته. في 22 سبتمبر 1980 اندلعت الحرب العراقية الإيرانية فشقت الصف العربي المضطرب منذ اتفاقيات كامب ديفد. بعد ذلك بسنة اغتيل السادات 6 أكتوبر 1981 على يد الجماعات الإسلامية التي تحالف معها ضد الناصريين لكنها كفرته لإبرامه اتفاقات صلح منفرد مع الكيان الصهيوني. في منتصف يونيو 1982 أحكمت دبابات شارون حصارها لبيروت، لتخرج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس في 21 أغشت 1982. في 16 و18 سبتمبر 1982 ارتكب الجيش الإسرائيل والمليشيات المسيحية مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها آلاف الفلسطينيين العزل.
كانت الأجواء عاصفة في الوطن العربي والعالم الإسلامي. فقد شلت اتفاقية كامب ديفد العمل العربي المشترك، وزاد التنافس بين الزعامات العربية على احتلال المكانة التي أخلتها مصر. وجاء حصار بيروت، وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس ليشكل هزيمة مدوية لخطاب تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وسقوطا لمقولة “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”. فكان احتلال أفغانستان من قبل السوفييت فرصة للقوى الغربية لصرف النظر عن القضية الفلسطينية، ونشر “الخطاب الإسلامي” على حساب الخطاب “القومي”. عزز نجاح الثورة الإسلامية هذا التوجه، وهي الثورة التي جعلت من فلسطين قضيتها الأولى، في محاولة لسحب القضية الفلسطينية من رصيد الأنظمة القومية العربية.
ستوظف أمريكا كل ذلك في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي لتهزمه في أفغانستان، كما هزمها في فيتنام. “بدأت القصة فى 27 ديسمبر 1979 عندما أقر مجلس الأمن القومي الأمريكي خطة بعنوان *الجهاد في أفغانستان ضد الإلحاد* كتبها *زبغنيو بريجنسكى* مستشار الرئيس *جيمى كارتر* لشؤون الأمن القومي، وعلى الفور بدأ بريجنسكى جولة فى الشرق الأوسط لإقناع قادة الدول الإسلامية بخطته…بدأ بريجنسكى جولته بزيارة سرية للقاهرة فى 3 يناير 1980 حيث قابل *أنور السادات*، ثم قابل *الملك خالد* فى جدة بالسعودية فى 4 يناير، ثم قابل الرئيس *ضياء الحق* فى إسلام أباد بباكستان فى 5 يناير..”
تظهر سرعة رد الفعل الأمريكي أنهم لم يتفاجؤوا باجتياح السوفييت لأفغانستان. فلا يمكن أن تكون خطة “الجهاد في أفغانستان ضد الإلحاد” قد أنجزت في يومين، وأقرها مجلس الأمن القومي الأمريكي. بل إن هذه السرعة تدل على أن الأمريكيين خططوا لاستدراج الاتحاد السوفييتي إلى الفخ، منذ زمن طويل، وجهزوا خططهم على مهل.
لقد تقاطعت مصالح جميع الأطراف المؤذنة للجهاد ضد الإلحاد؛ يريد الأمريكيون رد الصاع صاعين للسوفييت، ويتوق السادات إلى التخلص من شباب الجماعات الجهادية، وبيع خردة السلاح السوفييتي المكدسة في مخازنه، وتتطلع السعودية إلى قيادة العالم الإسلامي في حرب مقدسة بعيدة عن فلسطين، وتشغل فيها شبابها الذي ربما تأثر بأفكار جهيمان العتيبي، ويجد ضياء الحق في الجهاد ضد الالحاد فرصة لتخفيف الضغط الدولي على نظامه فاقد الشرعية، وشغل الشارع الباكستاني عن المطالبة بعودة النظام الديمقراطي.
بقي لاعب أقل أهمية من اللاعبين الكبار في الجهاد ضد الالحاد، لكن لا غنى عن جهوده التعبوية والإعلامية؛ التنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين، والأزهر، وهيئة كبار العلماء. استخدم التنظيم الدولي شخصية فلسطينية لتعبئة الشباب العربي للجهاد في أفغانستان، ففتح عبد الله عزام مكتب الخدمات في بيشاور بالتعاون مع أجهزة المخابرات الأمريكية والسعودية والباكستانية. ولم يكن التنظيم مستعدا للتساهل مع “المجاهدين” أصحاب المبادرات الشخصية ففصل أسامة بن لادن من صفوفه.
لم يكن انخراط آلاف الشباب العرب في الجهاد الأفغاني ناتجا عن العاطفة الدينية حصرا، وإن كان للعاطفة والتدين دور تعزز بتدابير الأنظمة السياسية العربية التي حاولت توظيف الجهاد الأفغاني لمصالحها. فلم تنخرط الأنظمة القومية في الدعاية للجهاد بشكل مباشر، بحكم علاقاتها مع المنظومة الشرقية، لكنها غضت الطرف عن الشباب الذين تدفقوا إلى أفغانستان، ولم تعلن موقفا معاديا له مجاراة للقوى التقليدية.
بل لعلها رأت فيه فرصة للتخلص من شباب الجماعات الإسلامية الجهادية. وإذا كان الكثير من الشباب انخرطوا في الجهاد الأفغاني بمبادرة شخصية تدفعهم عاطفتهم الدينية إلى البحث عن الشهادة، فإن المنتظمين في الجماعات الإسلامية كانت تحركهم أهداف أخرى غير البحث عن الشهادة. فقد رأوا في أفغانستان فرصة لنيل تجربة قتالية سيحتاجونها لقتال أنظمة بلدانهم، والحصول على نصيب من المال الذي تدفق على سوح الجهاد. فكيف جمعت أموال الجهاد، وكيف صرفت؟
يتبع، إن شاء الله