الوزير الأول: بين بلاغة الرد وحصافة الرؤية

لم يكن عرض السياسة العامة للحكومة أمام الجمعية الوطنية وردود معالي الوزير الأول مجرد إجراء دستوري سنوي، بل كان لحظة كاشفة للمسافة التي قطعتها النخب السياسية في مراجعة ذاتها ولكم التقييم.
طيلة ما يناهز 120 دقيقة من ردود معالي الوزير الأول على مداخلات النواب، لم نكن أمام استعراض للأرقام فحسب، بل كنا أمام “مانيفستو” سياسي، أعاد تعريف العلاقة بين السلطة والمعارضة، وبين السياسي والحقيقة.
كسر طوق “الشخصنة” والارتقاء بالخصومة
لسنوات عديدة، ظل البرلمان الموريتاني حلبة للملاكمة اللفظية، حيث يختلط التخوين بالمهاترة. لكن ردود معالي الوزير حملت رسالة أخلاقية قبل أن تكون سياسية؛ فالتعاطي اللبق مع المعلومات المضللة التي استشهد بها البعض – ربما بحسن نية – لم يكن “ضعفا”، بل كان تجسيدا لرؤية فخامة رئيس الجمهورية في أخلقة الشأن العام.
إن العمل السياسي اليوم يخرج من ضيق “الصراع الشخصي” إلى رحابة “التدافع البرامجي”، وهي نقلة نوعية تفرض على المعارضة أن تعيد النظر في أدواتها التقليدية لتواكب هذا السمو في الخطاب.
شجاعة الاعتراف..
رغم أننا تعودنا على لغة الكمال المطلق. اليوم، نلمس لغة جديدة تعترف بأن العمل البشري يعتريه النقص. هذه الشجاعة في الاعتراف بالثغرات لا تقلل من هيبة الدولة، بل تمنحها المصداقية. إنها دعوة ضمنية للمعارضة لمغادرة خندق “النقد من أجل الهدم” والتحول نحو “النقد من أجل التصويب”. فالدولة القوية هي التي تعترف بنواقصها لتعالجها، لا التي تواريها خلف الشعارات.
كما كشفت الردود أن بناء الدول لا يحدث بضربة عصا سحرية، بل هو رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واثقة. الرسالة هنا كانت واضحة: تثمين الموجود شرط للانطلاق نحو المنشود. إن سياسة “الأرض المحروقة” وتثبيط الهمم لم تعد تجدي نفعا في ظرفية إقليمية ودولية معقدة تتطلب تضافر الجهود.
إن المنجز، مهما بدا بسيطا في عين الناقد، هو لبنة في صرح الاستقرار الذي يجب أن نحميه جميعا.
لهذا دخل “الصقور” إلى مرافئ الموالاة
إن المشكاة التي صدرت منها ردود معالي الوزير الأول، يمكننا من خلال تتبعها، فك لغز التحول الكبير في الخارطة السياسية الموريتانية. إن انضمام صقور المعارضة – الذين قضوا عقودا في مقارعة الأنظمة المتعاقبة – إلى صف الموالاة ليس “استسلاما” ولا “بيعا للمواقف”، بل هو استجابة طبيعية لتغير “اللغة السياسية” للنظام.
عندما يجد المعارض الشرس نظاما يتحدث لغة العقل، ويحترم الخصم، ويعترف بالخطأ، ويشرك الجميع في الرؤية، فإنه يجد نفسه تلقائيا تحت “عباءة الدولة”، لا “عباءة النظام” بمفهومه الضيق.
لقد رفعت ردود معالي الوزير الأول السقف عاليا، وجعلت من “الخطاب الاستفزازي” بضاعة كاسدة في سوق الأفكار الجديدة.