حين لا تكفي المقاصد لبناء الموقف / محمد ولد لحظانه

اطلعتُ على ما كتبه الأستاذ جميل منصور بخصوص الحكم الصادر في حق النائبتين مريم بنت الشيخ وقامو عاشور، وهو طرح ينطلق من نية واضحة في التهدئة، وسعيٍ إلى مقاربة متعددة الأبعاد. غير أن هذا المسعى، رغم وجاهة دافعه، وقع في ارتباك تحليلي، نتيجة تداخل غير منضبط بين القانوني والسياسي والإنساني، ما أفضى إلى خلاصات لا تعكس دقة الوقائع بقدر ما تعكس محاولة التوفيق بينها.
فمن حيث المبدأ، يظل السعي إلى التهدئة مقبولًا، بل مطلوبًا في السياقات الحساسة، غير أنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن التحليل القانوني، ولا غطاءً لإعادة تأويل الأحكام خارج منطقها. فالقضاء لا يُقرأ بالنوايا، بل بمنهج التكييف القانوني، وبسلامة الإجراءات، وبمبدأ التناسب. وأي انزلاق عن هذه القواعد، حتى بدافع التهدئة، يفتح الباب أمام قراءة انتقائية تُضعف الثقة في المؤسسات بدل أن تعززها.
وفي هذا السياق، فإن الإحالة إلى آليات مثل الاستئناف أو العفو، رغم مشروعيتها من حيث المبدأ، تظل في فضاء عام مشحون قابلة لإنتاج تأويلات تتجاوز مقصدها، وقد تُفهم – ولو ضمنيًا – كتشكيك غير مباشر في المسار القضائي. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة التداخل بين المستويات: حين تتحول المفاهيم القانونية الدقيقة إلى أدوات خطابية فضفاضة.
ومن زاوية أكثر ضبطًا، فإن من مقتضيات احترام الدولة ومؤسساتها أن ننأى بأنفسنا عن الخوض في الأحكام القضائية خارج أطرها القانونية المعهودة، وفي مقدمتها مسارات الطعن. فالنقاش العام، مهما كانت دوافعه، لا يمكن أن يحل محل القضاء، ولا أن يوازيه، لأن في ذلك خلطًا بين سلطة الحكم وسلطة التعليق عليه، وهو خلط لا يخدم لا العدالة ولا الاستقرار.
أما استحضار البعد الإنساني، فلا خلاف على مشروعيته، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مدخل لمراجعة حكم قضائي خارج قنواته القانونية. فالدولة التي تُدار بالعاطفة لا تصمد، والدولة التي تُدار بالقانون هي القادرة على استيعاب التعاطف دون أن تُفرّط في هيبتها. وهنا تتجلى مسؤولية الخطاب العام في أن يوازن دون أن يخلط، وأن يُهدّئ دون أن يُربك.
وفي ما يتعلق بالإيحاء بوجود نوع من “الندية” بين موقع رئيس الجمهورية والنائب البرلماني فإنني أستغرب ما ورد في الفقرة الأخيرة من تدوينته من طرح يمكن أن يُفهم على أنه يكرّس هذا التصور؛ إذ إن مثل هذا الطرح، حتى وإن جاء في سياق بلاغي، يبتعد عن منطق الدولة المؤسسية، ويقارب العلاقات الدستورية بمنظار تبسيطي لا يعكس طبيعة توزيع السلطات ولا مقتضيات الاستقرار المؤسسي. فالدولة لا تُبنى على التماثل الرمزي، بل على وضوح المواقع واحترام الأدوار.
إن ما يحتاجه النقاش اليوم ليس فقط حسن النية، بل صرامة في التحليل، وانضباطًا في المفاهيم، ووعيًا بأن إضعاف منطق المؤسسات – ولو عن غير قصد – لا يخدم التهدئة، بل يفتح المجال لمزيد من الالتباس. فالدفاع الحقيقي عن التماسك الوطني لا يكون بإعادة تأويل القرارات، بل بتعزيز الثقة في الإطار الذي أنتجها.
وهكذا، وبالمحصلة، يمكن القول إن الأستاذ جميل منصور لم يُوفّق في بلوغ ما سعى إليه ظاهريًا من تهدئة وإحاطة متوازنة، بقدر ما أسهم طرحه – دون قصد – في قدر من التشويش على النهج المؤسسي، عبر هذا التداخل غير المنضبط بين مستويات التحليل.