الرئاسة: تغيظ أرباب التفاهة / محمد فال ولد طالبن

في عالم تتزايد فيه التوترات وتتسارع فيه الاستقطابات، لم يعد التوازن في السياسة الخارجية مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح علامة على الحنكة وبعد النظر. ومن يتابع نهج فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني يدرك أن هذا التوازن لم يكن شعارًا سياسيًا، بل أسلوبًا ثابتًا في إدارة علاقات موريتانيا مع محيطها الإقليمي والدولي؛ علاقات محترمة مع الجميع، دون الانجرار إلى محاور أو اصطفافات قد تضيق هامش الحركة وتربك حسابات المصالح الوطنية.
ومن أبرز مظاهر هذه الحنكة المحافظة على علاقات محترمة ومتوازنة مع كلٍّ من المغرب والجزائر، في فضاء إقليمي يعرف الجميع حساسية توازناته وتعقيداتها. فليس من السهل في مثل هذا السياق أن تحافظ دولة على هذا القدر من الاعتدال والاحترام المتبادل مع الطرفين، إلا إذا كانت تدرك جيدًا أن دورها الطبيعي هو أن تكون جسر تواصل لا طرفًا في الاستقطاب.
وحين يوضع هذا النهج في سياق عالم مضطرب، تتضح قيمته أكثر. فقد أثبتت تجارب بعض الدول أن الاعتدال في السياسة الخارجية يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة حقيقية. وتجربة سلطنة عُمان تقدم مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ استطاعت عبر دبلوماسية هادئة ومتوازنة أن تحافظ على ثقة مختلف الأطراف وأن تبقى محل احترام الجميع حتى في أكثر اللحظات الدولية حساسية.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن ينعكس هذا النهج المتزن في مستوى الثقة الذي تحظى به موريتانيا لدى شركائها، وهو ما تجسد في حجم التمويلات والدعم الذي حصلت عليه البلاد خلال السنوات الأخيرة من جهات تمويل عربية، في مؤشر واضح على أن التوازن في العلاقات لا يعزز المكانة السياسية فحسب، بل يفتح أيضًا أبواب الثقة والتعاون.
ومع اتساع هذا الحضور الدبلوماسي، يصبح من الطبيعي أن يستدعي الأمر مواكبة مؤسسية قادرة على مرافقة هذا الإيقاع الدقيق. فالتوازن في العلاقات الدولية لا ينجح إلا حين يجد من يواكبه بالقدر المطلوب من الحرفية والرصانة، ويصون ما ينبغي أن يبقى في دائرة الدولة.
وفي هذا السياق يظل ديوان رئيس الجمهورية أحد تلك الفضاءات المؤسسية التي يُنتظر منها أن تواكب هذا النهج بهدوء وكفاءة، بما يتطلبه ذلك من فهم دقيق لحساسية اللحظة ولطبيعة الدور.
ولعل ما ظهر في الآونة الأخيرة من إشارات إلى اتصالات رفيعة المستوى مع عدد من القادة، على خلفية الأحداث الجارية في العالم، يعكس من جهة المكانة التي باتت موريتانيا تحظى بها في محيطها، ومن جهة أخرى ديناميكية المواكبة التي تفرضها مثل هذه اللحظات الحساسة.— أما مايشاع من طرف أرباب مشاتل التفاهة؛ فلا أساس له من الصحة؛ ومؤسسة الرئاسة قد حصنت ضد أي إختراق- الأمر الذي يغيظ من دأبوا الإتجار بالإشاعات عبر تلقفها وزيادتها أضعافا مضاعفة.
وهكذا، حين تتكامل الرؤية السياسية المتزنة مع مواكبة مؤسسية واعية، تتحول الدبلوماسية الهادئة إلى قوة حقيقية؛ قوة لا تبحث عن الضجيج، لكنها تبني احترامًا صامتًا، وتمنح الدولة القدرة على كسب ثقة الجميع دون أن تخسر أحدًا.