الخطط المائية الوطنية..الطموح و التحديات / سيدي محمد أحمد طالبنا – جيوفيزيائي- فرنسا

قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) سورة الأنبياء.
الماء عصب الحياة و اساس كل تنمية و عمران.
و مع توسع المدن و تطور الصناعات في العصر الحديث، أصبح توفير الماء تحدي عالمي؛ وزاد من تعقيد ذلك تأثير المناخ (ظاهرة الاحتباس الحراري) ؛ حتى أن مصادر المياه أصبحت بؤر توتر إقليمي.
فأين نحن من هذا التحدي؟ و ماهي برامجنا و خططنا الاستراتيجية لمواجهته؟
تعيش موريتانيا منذ عقود و مع حالة الجفاف و توسع المدن ظاهرة عطش متفاقمة، في الريف و المدن الكبر. و رغم محاولات الحكومات المتعاقبة، العمل على تحسين الوضع، إلا أن التحدي كان و مازال كبيرا.
فلا تزال المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية، انواكشوط، انواذيبو و كيفة تعاني من شح كبير في مياه الشرب؛ بالإضافة إلى نسبة كبيرة من مقاطعات و بلديات و قرى الوطن.
فالمتابع لزيارات الرؤساء التفقدية للداخل او أعضاء الحكومة أو المسؤولين الإداريين، يلاحظ أن الطلب الأساسي للمواطنين هو الماء؛ و المشكل أنه طلب قديم متجدد؛ بعد عقود من السياسات و التخطيط، لم ترقى حتى الآن لمستوى التحدي.
بالنسبة لي كموظف سابق في قطاع المياه خبرت المشكل عن قرب، لا يمكن لسياسات ارتجالية أن تكون حلا فعالا؛ أمام عوائق شبه طبيعية : المساحة الكبيرة للوطن( أكثر من مليون كيلومتر مربع) و التوزع العشوائي للساكنة( حوالي خمسة مواطنين في الكيلومتر المربع الواحد) و طبيعة توزع الموارد المائية السطحية و الجوفية و انتشار الملوحة بفعل التبخر.
تمتلك موريتانيا مقدرات مائية جوفية معتبرة تقدر بـحوالي 120 مليار متر مكعب (حسب المركز الوطني للمصادرالمائية CNRE )، تتوزع كما وكيفا تبعا للتكوينات الجيولوجية ونسبة التهاطلات المطرية في خزانات الحوض الرسوبي الساحلي و في شقوق الصخور (سلسلة الموريتانيد) و في خزانات حوض تاودن. أما الموارد المائية السطحية فهي في معظمها موسمية، عدى تلك المرتبطة بحوض نهر السينغال، حيث تعتمد في ديمومتها ومستوياتها على طبيعة التسيير الفني للسدود والمنشآت المائية المقامة على النهر او روافده.
و تستقبل موريتانيا في المتوسط 92 مليار متر مكعب من الأمطار سنوياً؛ إلا أن معظم هذه الكمية لا يتم استيعابه بفعل الطاقة التخزينية المحدودة للسدود والحواجز و عامل التبخر العالي.
و مع هذا الحجم المعتبر من الموارد المائية المتنوعة؛ فإن غياب سياسة مائية استراتيجية، واعتماد برامج استعجالية و تدخلات الوجهاء و النافذين في عشوائية برمجة المشاريع المنفذة، كان من الأسباب الأساسية لتدهور البنية التحتية المائية؛ رغم الحجم الكبير للتمويلات و القروض التي رصدت للقطاع، و دعم شركائنا في التنمية (دول الخليج، الاتحاد الأوروبي، اليابان …) و كان لغياب الصيانة و متابعة المشاريع المنفذة تأثيره السلبي الكبير؛ و لعل تصنيف موريتانيا الأخيرة في دراسة لمؤسسة مابلكرافت البريطانية عن الأمن المائي شملت 160 دولة، تعكس خطورة الواقع.
أرى أن الدولة من خلال تسيير و تطوير المتوفر يمكنها تحسين الوضع، فمثلا نحن ورغم محاولة الإستفادة اخيرا ، من حصتنا المائية من نهر السينغال (آفطوط الساحلي و الشرقي ) ، إلا أننا مازلنا بعيدين من استغلال كامل حصتنا(الثلث)، و هي كافية لتغطية معظم احتياجات البلد؛ وذلك بالعمل على
تطوير الاستثمار في مجال الري من النهر؛ بإستخدام التقنيات الحديثة في نقل المياه على غرار آفطوط الساحلي و الإستفادة من تجربة الشقيقة السينغال ؛ دون أن ننسى ما يمكن ان تقدمه بحيرة سد فم لكليته العملاق عن طريق وضع آلية فعالة ؛ شبكات تمديد لتزويد القرى القريبة من السد. وقد راعني في مهمات سابقة للمنطقة، حجم ما يعانيه الساكنة من عطش و شرب مياه ملوثة أدت لانتشار ما يعرف بدودة غينيا بينهم؛ في حين أن بحيرة السد تكفي لتزويد كامل المنطقة بالماء الشروب.
وبالنسبة لعامل الملوحة في مياه الآبار و الآبار الارتوازية فيمكن توفير أجهزة تحلية (ما يعرف باجهزة التناضح العكسي) وهي تقنية بسيطة و غير مكلفة و في المتناول خاصة في المناطق الريفية و شبه الحضرية.
دون أن ننسى التركيز على إعادة تأهيل الآبار الرعوية و حفر المزيد منها خاصة في المناطق الرعوية الحدودية (خصوصا بعد التوترات الأخيرة على الحدود مع الشقيقة مالي ) .
و تبقى الصيانة و المتابعة أساسية لاستمرار و فعالية المنشآت المائية، خاصة في الريف و ضرورة تكوين طواقم محلية و تزويدها بالعدة اللازمة للتدخل السريع.
الغريب أن حكوماتنا تعي تماما حجم المشكل؛ و رئيس الجمهورية في خطاب الاستقلال نوفمبر 2025، اكد على تعزيز الأمن المائي من خلال مضاعفة إنتاج المشاريع الكبرى، وإنشاء محطات جديدة للتحلية، وتزويد عشرات التجمعات السكنية بالمياه، إضافة إلى إطلاق برنامج شامل لحفر آبار جديدة لضمان توفير مياه الشرب بشكل مستدام.
و إلى أن يتحقق ذلك، أرجو و نحن على أبواب الصيف، أن لا يتكرر سيناريو العطش المخيف.