الزخم الشكلي والفراغ المعرفي / محمد لحظانه

أصبح من اللافت تزايد الفعاليات التي تُرفع فيها عناوين كبرى تتصل بقضايا عامة، سواء تعلق الأمر بحصيلة المنجز أو بالتأصيل الفكري والاستراتيجي. ومع هذا الزخم المتنامي، يبرز سؤال العلاقة بين بريق العنوان وعمق المحتوى؛ إذ يجد المتابع نفسه، في كثير من الحالات، أمام نقاشات عامة يصعب معها تلمّس ما أُضيف فعليًا، أو الوقوف على أثر معرفي يتجاوز حدود القاعات المغلقة.
وخلال هذه الفعاليات، يطغى الحضور البصري على الحضور الفكري؛ إذ توحي كثافة الصور المصاحبة لبعض الأنشطة بأن الهدف لا يقتصر على إنتاج المعنى أو تعميق النقاش، بقدر ما ينصرف أحيانًا إلى صناعة المشهد وتوثيق الحضور. ويزداد هذا الانطباع حين يتحول بعض المسؤولين إلى جزء من سباق الظهور، فتغدو الصورة ـ في كثير من الأحيان ـ أقرب إلى رسالة صامتة تقول: “أنا هنا”. ويعزّز هذا الميل نحو “المشهدية” تأثير الإعلام الرقمي المتسارع، وتحول بعض الفعاليات تدريجيًا إلى أدوات للتسويق السياسي والمؤسسي أكثر من كونها فضاءات لإنتاج الأفكار وتراكم المعرفة. وعندما يصبح حضور الكاميرا أكثر كثافة من حضور الفكرة، يتقلص الحدّ الفاصل بين الفعالية الفكرية بوصفها فضاءً لإنتاج الدلالة، وبين الحدث البروتوكولي بوصفه واجهة تنظيمية لا أكثر.
ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من هذه اللقاءات، رغم ما يُنفق عليها من جهد واهتمام إعلامي، لا تُنتج في النهاية مخرجات واضحة يمكن الرجوع إليها أو قياس أثرها؛ فلا وثائق مرجعية متاحة، ولا خلاصات منشورة، ولا مسارات متابعة يمكن تتبعها، وكأنّ ما يُقال داخل القاعات يظل محصورًا فيها ثم يتلاشى بانتهائها. وفي أحيان كثيرة، تُستهلك العناوين الكبيرة بسرعة، بينما يبقى المحتوى أسير العموميات والتكرار، دون أن يترجم إلى خلاصات عملية أو مسارات متابعة جادة، أو ما يمكن أن يغذي النقاش العمومي أو يسهم في صناعة القرار. وهنا يفقد النقاش قيمته التراكمية، ويتحوّل النشاط ـ مهما بدا لافتًا ـ إلى حدث عابر ينتهي بانتهاء التغطية المصاحبة له.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية اللقاءات الفكرية أو التقاطعات الحوارية بين النخب والفاعلين، فالمجتمعات الحية تحتاج بطبيعتها إلى فضاءات للنقاش والتفكير وتبادل الرؤى. غير أنّ قيمة أي فعالية لا تُقاس بحجم القاعة، ولا بعدد الصور المتداولة، ولا بكثافة الحضور البروتوكولي، وإنما بما تتركه من أثر معرفي، وما تفتحه من أسئلة جديدة، وما تُنتجه من أفكار قابلة للتطوير والتحول إلى وعي أو سياسة أو مبادرة.
وهكذا، لا يعود الإشكال في تنظيم مثل هذه اللقاءات بحد ذاته، بقدر ما يصبح في قدرتها على تحويل هذا الزخم الشكلي إلى أثر معرفي ملموس، قابل للقياس والاستمرار. فالمشهد قد يلفت الانتباه للحظة، أما الفكرة الجادة فهي وحدها القادرة على البقاء بعد انطفاء الأضواء.