إلى من اختاروا الجلوس حول طاولة الحوار / محمد ولد لحظانه

ليس هذا الخطاب استدعاءً أو عتابًا، ولا دفاعًا عن مسار أو خيار، بل محاولة لوضع الأمور في سياقها الطبيعي، حيث تُقاس السياسة بضروراتها، لا بكثرة أدواتها.
كما يعلم الجميع، يبرز الحوار قيمته حين تضيق المسارات أو تنسد السبل. أما حين تكون القنوات مفتوحة، والمؤسسات قائمة، والمجال العام يسير بهدوء، فإن الحوار يتحول إلى مساحة إضافية، وفرصة لمن يريد أن يُسهم بجدية، لا إلى طوق نجاة لمن فقد البوصلة.
اليوم، يسود المناخ العام قدر معتبر من السكينة والاستقرار، رغم استمرار الاختلافات والنقاشات، التي تبقى ضمن حدود تحفظ المسار العام ولا تهدده. هذا الهدوء لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة اختيار واعٍ لنهج التهدئة، وترسيخ الثقة في المؤسسات، والابتعاد عن منطق الصدام والارتجال.
وبناءً على ذلك، فإن أي مساحة للحوار، إذا أُريد لها أن تكون حوارًا حقيقيًا حول هموم المواطن وانشغالاته اليومية، فمن غير المتوقع – ولا المنطقي – أن تنصرف إلى القضايا التي حُسمت دستوريًا أو استقرت ضمن خيارات الدولة الكبرى، بل أن تركز على ما يمس حياة الناس مباشرة، من خدمات، وفرص، وعدالة، وتنمية متوازنة.
وفي هذا السياق، تبرز جملة من القرارات الواضحة التي لا لبس فيها:
• اللغة العربية ستظل اللغة الرسمية للدولة، خيار سيادي حسمه الدستور وكرسته الممارسة.
• ملف الإرث الإنساني عولج وفق رؤية وطنية واضحة، مع مراعاة طبيعته الاستثنائية وحساسية أثره وتراكماته.
• ملف الهجرة يُدار وفق مقاربة متوازنة تحمي السيادة والنظام العام، مع مراعاة البعد الإنساني وتعقيد الواقع الإقليمي.
• إصلاح الحقل الحزبي يستهدف بناء أحزاب قادرة على التأطير والتنافس والاقتراح، لا الاكتفاء بالحضور الشكلي، بما يعيد الاعتبار للعمل السياسي الجاد.
هذه الملفات، بحكم طبيعتها وخيارات الدولة بشأنها، لا يُنتظر أن تكون موضوع مساومة أو إعادة نقاش داخل الحوار، إذا كان الهدف منه الاستجابة الفعلية لتطلعات المواطن، لا استهلاك الوقت في قضايا محسومة أو تحويل الحوار إلى جدل هوياتي أو شكلي.
وعليه، تُقاس المشاركة في الحوار بالوضوح والجدية وحجم الإضافة، لا بالحضور الرمزي أو بالشعارات. أما الغياب، أو الحضور الخالي من المضمون، فلن يغيّر مسار الأمور، لكنه يظل موقفًا محسوبًا على من اختاره.
وفي النهاية، تبقى الدولة، بخياراتها الثابتة ومسارها المستقر، مرآة لمن يسعى بإخلاص إلى الإسهام، وحاضنة للفرص التي يلتقطها الفعل الجاد، واختبارًا حقيقيًا لمن يريد التأثير المسؤول بدل الاكتفاء بالمشاهدة الصامتة.
محمد لحظانه