حين يبهت الخيط الناظم للاختيار / محمد فال ولد طالبن

أحيانًا يبدأ الغموض من التفاصيل التي نعتقد أنها بديهية، حيث يخف النور الذي يربط بين المعيار والقرار، فتتلاشى حدود الاختيار، وتغدو المواقع أكثر محطات استقرار منها ساحات اختبار، وكأن المنصب يجد راحته في صاحبه، أو أن صاحبه لا يُتصوَّر إلا فيه.

وفي هذا الصمت نفسه، تتجلّى مفارقة أخرى: مجموعات امتد عطاؤها عبر الزمن ونسجت حضورها في أعماق الدولة، لكنها تتراجع فجأة عن المشهد، دون أن يُستكمل الترتيب بتجديد أو تعويض. فيتحوّل الغياب من حالة عابرة إلى فراغ ممتد، فتتركه المؤسسات وكأنه جزء طبيعي من المشهد العام، وكأن الخبرة والتجربة لا يفرضان نفسهما في الحاضر.

يزداد الغموض حين يلوح نمط خفي في توزيع المسؤوليات، حيث تتجمع أغلب المفاتيح والمواقع المهمة حول دائرة محدودة، فتبدو المراكز الهامة أقرب إلى ارتياح مألوف وأشخاص مألوفين، أحيانًا بما يعكس أصولًا جغرافية أو انتماءات مكتسبة أكثر من أن تكون فضاء مفتوحًا للكفاءة والإبداع، وكأن هناك ترتيبًا غير معلن يجعل بعض المواقع حصانة من الاختبار، بينما يظل الأفق الأوسع مغيبًا.

وقد جاء بيان مجلس الوزراء في دورته اليوم 14 يناير 2026 ليكشف هذه الاختلالات بوضوح: أظهر أن البعد الفني والسياسي لم يُراعَ في بعض التعيينات، وأن مجموعة قبلية وازنة أُقصيت عن المشهد رغم عطائها وتجربتها، كما أن أغلب الوظائف الحساسة استحوذت عليها ولاية المأمورية الحالية تقريبًا، وكأنها مواقع لا يصلح شغلها إلا لمحيط مألوف، وهو ما يضعف فرص التجديد ويحدّ من ديناميكية المؤسسات.

ويأتي هذا البيان كتذكير بأن الدولة واعية لهذه الفجوات، وتسعى لتجديد الاختيار وإعادة الاعتبار للخيط الناظم. المسؤولية ليست حالة استقرار مؤقتة، بل فعل متجدّد، والإصلاح مسار متواصل، حيث لا يُترك الفراغ ممتدًا، ولا تُقصى الخبرات التي صقلتها التجربة.

هكذا، يظل الخيط الناظم بين القرار والكفاءة هو ما يربط المؤسسات بالذاكرة المؤسسية، ويجعل الاختيار مساحة للحياة لا مجرد محطة استقرار، ويؤكد أن الدولة حين تنضج، تتحرك دائمًا باتجاه التوازن، الفاعلية، واستدامة الإصلاح.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى