التحوّل الهادئ: من مراجعة الأدوات إلى دقّة الاختيار / محمد ولد لحظانه

في لحظات التحوّل الهادئ، لا يكون الضجيج ضروريًا بقدر ما يكون وضوح الرؤية ودقّة الاختيار. فالدول التي تسعى بثبات لترسيخ التنمية وتعزيز الثقة في المستقبل تجد نفسها مدفوعة إلى مراجعة أدواتها، وإعادة النظر في مقاربات خدمت مراحل سابقة، دون إنكار لما تحقق، ولا قطيعة مع ما راكمته التجربة.

فالمرحلة الراهنة أفرزت واقعًا أكثر تعقيدًا؛ واقعًا لم تعد فيه النوايا الحسنة وحدها كافية، ولا الخطابات العامة قادرة على الإحاطة بتحديات تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية. ولم تعد التنمية، في هذا السياق، مجرد وعد سياسي، بل فعلًا تقنيًا بامتياز، يحتاج إلى فهم دقيق للسياق، وإلمام بأدوات التنفيذ، وقدرة على تحويل التوجيهات الكبرى للدولة إلى نتائج ملموسة تمسّ حياة المواطن اليومية.

ومن هذا المعطى تحديدًا، تتضح الحاجة إلى الانتقال من منطق التسيير العام إلى منطق الإدارة المتخصصة. فحين تصبح السياسات أكثر تعقيدًا، يصبح تنفيذها مسؤولية مركبة، لا تحتمل الارتجال ولا التجريب، وتتطلب انسجامًا دقيقًا بين الرؤية العامة للدولة وآليات تنفيذها داخل الجهاز التنفيذي. وهنا، تبرز بوضوح الحاجة إلى مراجعة الأساليب المتّبعة في إسناد الوظائف، خاصة تلك التي تتطلب كفاءات عالية وخبرة متخصصة، بما يضمن إسنادها إلى أصحابها الطبيعيين، بوصف ذلك أحد المفاتيح الأساسية لمواكبة التوجه العام الذي اختارته الدولة في هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، يفرض منطق المرحلة مقاربة ناضجة في إسناد الوظائف والمسؤوليات، مقاربة لا تفصل بين البعد السياسي والبعد الفني، بل تنظر إليهما باعتبارهما عنصرين متكاملين لا غنى لأحدهما عن الآخر. غير أن التجربة تُظهر أن نجاح هذا التكامل يظل مرهونًا بجعل البعد الفني أساسًا ضامنًا لجودة الأداء، واستمرارية السياسات، وحسن ترجمة التوجيهات العليا إلى عمل إداري فعّال ومنسجم.

فالمسؤولية العمومية، خاصة في القطاعات ذات الطابع الخدمي أو المرتبطة بتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لم تعد مجالًا للتوازنات العابرة، ولا ساحة لإدارة الممكن فقط، بل موقعًا يتطلب كفاءة مجرَّبة، وتجربة متراكمة، وقدرة على العمل داخل رؤية الدولة لا على هامشها. وهنا، يصبح واضحًا أن أحد أخطر ما يعيق هذا المسار هو ما يمكن وصفه بـ«التدوير الإداري»، الذي يُعيد إنتاج الأشخاص بدل إصلاح الآليات، ويستنزف طاقة المؤسسات، ويُضعف القدرة على مواكبة النهج الإصلاحي في عمقه الحقيقي.

ومن هنا، يصبح الحديث عن إصلاح إداري فعلي، وعن ثقافة جديدة في التعيين وإسناد المسؤوليات، حديثًا عن شرط من شروط نجاح المسار العام، لا عن ترف إداري أو مطلب نخبوي. ثقافة تجعل من الكفاءة معيارًا طبيعيًا، ومن التجربة رصيدًا مطلوبًا، ومن القدرة على الإنجاز أساسًا للمساءلة، بما يسمح للجهاز التنفيذي بأن يكون في مستوى التوجهات الكبرى التي تسعى، في جوهرها، إلى بناء الوطن والمواطن معًا.

فحين يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لا يكون ذلك انتصارًا لفرد، بل مكسبًا للمؤسسة، وضمانة لاستمرارية السياسات، وحماية لخيارات الدولة من التعثر أو سوء الفهم. والدولة التي تتطلع إلى مواكبة نهج إصلاحي طموح، تحتاج إلى إدارة تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه، وبأي أدوات، وفي أي زمن.

هكذا، يتحوّل النقاش من تشخيص الواقع إلى مساءلة الأدوات، وصولًا إلى إعادة تعريف معايير المسؤولية. ويغدو الحديث عن الكفاءة والتجربة تعبيرًا عن وعي جماعي بأن مواكبة التوجهات العليا، وفي مقدمتها التوجه الذي يقوده الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لا تتحقق بالشعارات، بل بمراجعة الأساليب، ودقّة الاختيار، وإسناد المسؤوليات لمن يمتلكون القدرة الفعلية على تحويل الرؤية إلى فعل، والطموح إلى إنجاز، والاستقرار إلى مسار تنموي يخدم الوطن والمواطن

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى