هدى باباه تقدّم نموذجاً لامرأة قيادية لا تبحث عن الأضواء، بل عن النتائج / سيد أحمد عبدي

هدى باباه تقدّم نموذجاً لامرأة قيادية لا تبحث عن الأضواء، بل عن النتائج / سيد أحمد عبدي

في زمنٍ عربيٍّ يضجُّ بالشعارات ويشحُّ بالأفعال، يندر أن يلتفت الرأي العام إلى مسؤولٍ لا لأنه أتقن فنَّ الخطابة، بل لأنه أتقن فنَّ العمل … من هذا الباب، تدخل وزيرة التهذيب وإصلاح النظام التعليمي في بلدنا ، هدى باباه ، إلى سجلّ المسؤولين الذين لا يمرّون مرور العابرين، بل يتركون أثراً يُقاس بما تغيّر على الأرض لا بما كُتب في البيانات.

منذ توليها هذا المنصب الثقيل، تعاملت مع التعليم لا كقطاع إداري جامد، بل ككائن حيٍّ يحتاج إلى رعاية، وإلى قرارات شجاعة تعيد إليه روحه ومكانته. فكان أول ما لفت الانتباه أن المدرسة عادت إلى صدارة النقاش العمومي، لا بوصفها مشكلة مؤجلة، بل باعتبارها أولوية وطنية. وحين يُعاد الاعتبار للتعليم، فإن أول من يُعاد له الاعتبار هو المعلّم، ذلك الجندي المجهول الذي طالت غربته داخل وطنه.

لم يكن رفع أجور الأساتذة والمعلمين مجرد إجراء مالي عابر، بل رسالة سياسية وأخلاقية واضحة: لا إصلاح بلا كرامة، ولا مدرسة قوية بلا معلم مطمئن. لقد أُعيد الاعتبار للقيمة الاجتماعية للمعلم، لا في الخطاب فقط، بل في القرار، وفي الميزانية، وفي النظرة العامة إلى دوره. وهذا، في حد ذاته، تحوّل عميق في ثقافة التسيير العمومي، حيث غالباً ما يُطلب من المعلّم أن يضحي، دون أن يُسأل عمّا إذا كان يستطيع أن يعيش بكرامة.

أما الإصلاحات التي عرفها قطاع التعليم في عهدها، فقد اتسمت بطابع نوعي، لا شكلي. إصلاحات حاولت أن تقترب من جوهر المشكلة: جودة التعليم، تنظيم المسارات، تحديث الرؤية، وربط المدرسة بحاجات المجتمع لا بعادات الماضي فقط. لم تكن وعوداً فضفاضة، بل مساراً تراكمياً، يدرك أن إصلاح التعليم لا يُقاس بالأيام ولا بالأشهر، بل بقدرة السياسات على الصمود والاستمرار.
ولا عجب في ذلك. فهدى باباه تقدّم نموذجاً لامرأة قيادية لا تبحث عن الأضواء، بل عن النتائج. نموذج يكسر الصورة النمطية للمنصب كغنيمة، ويقدّمه كمسؤولية ثقيلة تتطلب الصرامة، والإنصات، والقدرة على اتخاذ القرار في وقت يفضّل فيه كثيرون التردد. نجاحها لا يُختزل في كونها امرأة، لكنه يكتسب بعداً رمزياً إضافياً في مجتمع لا تزال فيه المرأة تُطالب بإثبات كفاءتها مضاعفة.

في المحصلة، لسنا أمام وزيرة عابرة في تاريخ قطاع حساس، بل أمام تجربة تُحسب لها لا عليها، تجربة أعادت للتعليم شيئاً من هيبته، وللمعلم شيئاً من حقه، وللعمل العام شيئاً من معناه. وفي زمن ندرة النماذج، يكفي هذا وحده ليجعل من اسم هدى باباه علامة فارقة في ذاكرة الإصلاح التعليمي بموريتانيا.

#الأيام_نت
#تابعونا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى