الضريبة بين معقولية القرار وفجوة الشرح: حين يغيب السرد تتآكل الثقة / محمد لحظانه

الزيادات الضريبية التي عرفها قانون المالية لسنة 2026، حين تُقرأ في ميزان الأرقام العامة وكلفة الخدمات التي تتحملها الدولة، تبدو في جوهرها معقولة ومحدودة الأثر، ولا ترقى إلى مستوى التهويل الذي يحيط بها أحيانًا في النقاش العام.

فمن زاوية الحسابات البحتة، لا تبدو المسألة استثنائية، ولا خارجة عن منطق تمويل المرافق العمومية ومتطلبات الاستقرار المالي.

غير أن الإشكال الحقيقي لم يكن في معقولية القرار بقدر ما كان في طريقة تقديمه.

فالأرقام، حين تُفصل عن سياقها، تكتسب قسوة مضاعفة.
والاقتطاع، حين لا يسبقه شرح، يتحول في وعي الناس إلى عبء مفاجئ، لا إلى مساهمة مفهومة في تمويل الصالح العام.

كان الأولى — كلما طُرحت زيادة أو تعديل — أن يسبق القرار خطابٌ واضح وبسيط، يجيب مباشرة عن أسئلة المواطن اليومية:
إلى أين ستذهب هذه الموارد؟
ما المشاريع التي ستموَّل؟
ما الخدمات التي ستتحسن؟
وكيف سينعكس ذلك على حياته ومعيشته؟

حينها فقط يتغير المعنى.

فالمساهمة المالية، حين تُعرَف وجهتها، تتحول من عبءٍ غامض إلى مشاركة واعية،
ومن اقتطاعٍ صامت إلى شراكة مفهومة في بناء المصلحة العامة.

غير أن هذا الشرح ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو وظيفة منظومة كاملة.

فالأحزاب السياسية، خاصة وهي في مواقع الأغلبية، يفترض أن تكون مدارس تفسير وتأطير، تُقرّب السياسات الاقتصادية من الناس، وتترجم القرارات التقنية إلى لغة الحياة اليومية، لا أن ينحصر حضورها في الحشد للمناسبات أو الاكتفاء بردود الفعل العابرة.

وكذلك الإعلام العمومي، الذي يفترض أن يكون جسرًا حيًا بين القرار والمواطن، ومنصة للتوضيح والتثقيف وصناعة الفهم، لا مجرد كاميرا ترافق الاجتماعات وتغطي الزيارات دون أن تشرح ما وراءها.

فحين يغيب الشرح، تتضخم المخاوف.
وحين يضعف التأطير، يسهل سوء الفهم.
وحين يختفي السرد، يفقد القرار معناه.

وهكذا لا تصبح المشكلة في حجم الضريبة، بل في فجوة الثقة.
ولا في الرقم ذاته، بل في المسافة بين صانع القرار والمواطن.

وهكذا نفهم أن السياسات لا تُقاس فقط بما تجمعه من موارد، بل بقدرتها على إقناع الناس بعدالتها وجدواها؛ فالثقة، في نهاية المطاف، هي الضريبة الأهم التي لا يجوز للدولة أن تخسرها.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى