من تثبيت الحق إلى تثبيت الثقة / محمد ولد لحظانه

في بعض اللحظات، لا تكون الزيارات الميدانية مجرد محطة في جدول رسمي، بل تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب المعاني وترسيخ الأولويات. ومما استوقفني في زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية گورگول ذلك التصريح الهادئ الذي بدا بسيطًا في عبارته، عميقًا في دلالته أن من ظلّ يستغل الأرض للزراعة، جدًّا عن جد، يُعدّ مالكها الشرعي لها ما دام ذلك لا يخالف القانون.

قد تبدو العبارة توضيحًا قانونيًا عابرًا، لكنها في عمقها ترسم خيطًا ناظمًا يصل بين الحق والعمل، وبين الاستقرار والإنتاج. فحين تُربط الملكية بالاستثمار الفعلي، يصبح الاعتراف امتدادًا للكدّ وتغدو الأرض شاهدًا على علاقة تاريخية متصلة، لا على ادعاء طارئ. هنا لا يُمنح الحق من فراغ، بل يُقرّ بما رسّخه الجهد، وتُصان الشرعية من داخل القانون لا من خارجه.

ومن اللافت أن هذا المعنى، على هدوئه ووضوحه، لم يحظ بالمساحة التي يستحقها في بعض البرامج التعليقية التي واكبت الزيارة. ربما لأن الضوء انصرف إلى مشاهد أكثر حضورًا أو إلى عناوين أسرع تداولًا، فمرّ هذا الخيط العميق مرورًا عابرًا. غير أن قيمة الفكرة لا تُقاس بمدى تردادها، بل بقدرتها على إعادة تشكيل النقاش من الداخل؛ إذ إن ربط الملكية بالعمل ليس مجرد تفصيل قانوني، بل مدخل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الإنصاف والاستقرار.

ومن هذا المدخل تحديدًا، يتضح أن التصريح ليس معزولًا عن سياق أوسع، بل يندرج ضمن رؤية تتقدم بخطوات هادئة نحو معالجة جذور الهشاشة. فالتمكين من الأرض لا ينفصل عن تمكين في التعليم، ولا يستقيم دون ضمان في الصحة. كأن الخيط ذاته يمتد من الحقل إلى المدرسة إلى المستشفى، ليؤكد أن الكرامة منظومة متكاملة، وأن العدالة الاجتماعية لا تُختزل في ملف واحد.

وعند هذه النقطة تحديدًا، يمكن فهم الرسالة الأعمق. فمثل هذه التصريحات تمثل، في جوهرها، عين الجواب على مزاعم تُثار حول غياب الإرادة في إنصاف الفئات الهشة. إنها ردّ عملي هادئ على أطروحات حركات مثل إيرا و**أفلام**؛ لا عبر مجادلة خطاب بخطاب، بل عبر تثبيت مبدأ واضح: أن الانشغال الحقيقي هو محاربة الفقر، وتحصين الحقوق ضمن إطار القانون، وبناء أخوّة جامعة بين مختلف أطياف المجتمع.

فالخيط الناظم هنا واحد الاعتراف بالجهد، حماية الحق، وتوسيع دوائر الفرص. وحين يشعر المواطن أن الدولة ترى عمله وتعترف به، وأن التعليم متاح لأبنائه، وأن العلاج مضمون لأسرته، تتراجع مساحات الشك، ويحل محلها شعور أعمق بالانتماء. بذلك تتحول السياسة من خطاب إلى ممارسة، ومن رد فعل إلى بناء طويل النفس.

قد تختلف القراءات، وقد تتعدد الزوايا، لكن ما يظل ثابتًا هو أن التركيز على مكافحة الهشاشة وخلق أخوّة حقيقية هو الطريق الأصدق لتجفيف منابع الاحتقان. فحين يُجاب على الادعاء بالفعل، وتُقابل المزاعم بالإنصاف، يصبح الهدوء أقوى من الضجيج، ويغدو القانون جسرًا للثقة لا ساحة للخلاف.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى