تجمع تاگه الجديد..إنتصار الأمان على الضجيج / محمد فال احمد طالبنا

في مواسم الجدل، يعلو الصوت وتتشابك العناوين، حتى يكاد الوطن يُختزل في سجالٍ لا ينتهي. تُثار قضايا المأموريات، وتُناقش الزيادات الضريبية، وتملأ المنابر ساعاتٍ طوالًا، كأنها وحدها مقياس الاتجاه. وليس في النقاش ما يُستنكر، لكن حين يستغرق المشهد كلّه، ويطغى على ما يمسّ حياة الناس في عمقها، يصبح السؤال عن ميزان الأولويات سؤالًا لا مهرب منه.

وفي الأثناء، يمضي فعلٌ آخر في هدوء.
في كوركول، حيث كانت قرى تعيش على حافة الماء كلما أثقلت السماء غيمها، وُلد مشروع “تجمع تاگه الجديد” بوصفه استجابة مختلفة؛ لا تنتظر الكارثة لتتحرك، ولا تكتفي بالتعاطف بعد الخسارة، بل تعيد رسم الواقع نفسه قبل أن يفرض الخطر منطقه. إنه انتقالٌ من الهشاشة إلى الطمأنينة، ومن حياةٍ مؤقتة إلى استقرارٍ مقصود.

“تجمع تاگه الجديد” ليس مجرد اسمٍ على خارطة، بل معنى يتشكل في صمت.
هو شهادة عملية على نهجٍ قرر أن لا يترك أحدًا على قارعة الطريق. ليس كشعارٍ يُرفع، بل كخيارٍ يُنفّذ. حين تُنقل قرى بأكملها من دائرة القلق الموسمي إلى فضاءٍ أكثر أمانًا، فإن الرسالة تكون قد قيلت بالفعل، دون حاجةٍ إلى خطابٍ مطوّل.

هنا تتبدّى المفارقة بوضوح:
ينشغل الرأي العام بجدالاتٍ تتسع مساحتها الإعلامية، بينما يمرّ مشروع يمسّ جوهر الكرامة الإنسانية دون ما يوازي أثره من التفات. كأن الضجيج أقدر على استقطاب الضوء من الفعل نفسه. وكأن حماية الأسر من خطرٍ داهم ليست أحقّ بالصدارة من سجالٍ سياسيٍّ عابر.

ويزداد التساؤل حين لا يحظى “تجمع تاگه الجديد” بالعناية التي تليق بدلالته من وسائل الإعلام الرسمية، ولا من حزب الإنصاف، ولا من أحزاب الأغلبية. وهي جهات يُفترض أن تلتقط مثل هذه اللحظات، وأن تعكس للرأي العام أن جوهر السياسة هنا: في حماية الإنسان، وفي ترسيخ الأمان قبل كل شيء. إن مراجعة الرسائل الاتصالية تبدو ضرورة، حتى لا يبقى الإنجاز أكبر من صداه.

ومع ذلك، فإن قيمة المشروع لا تُقاس بحجم حضوره في العناوين، بل بأثره في حياة الناس.
أن تنام أسرة بلا خوف، أن يكبر طفل بعيدًا عن هاجس الفيضان، أن يتحول القلق الموسمي إلى استقرارٍ دائم… تلك معايير لا تحتاج إلى تصفيق.

كما أن هذا المسار يعكس كفاءةً وطنية صادقة لدى القائمين عليه؛ إدارةٌ أدركت روح النهج العام، فواكبته بجدية وإتقان، وترجمت الرؤية إلى واقعٍ ملموس. وهنا يكمن الفارق بين خطابٍ يُقال، وسياسةٍ تُجسّد.

هكذا يُعاد ترتيب المعنى:
قضايا تُناقش، ومشاريع تُغيّر مصائر.
صوتٌ يعلو، وأثرٌ يبقى.

وفي سكينة “تجمع تاگه الجديد”، يتجلى الجواب الأبلغ:
إن أعظم السياسات هي تلك التي تحمي الإنسان، حتى وإن مرّت بهدوء

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى