حين يُستبدل العمل بالتشويش / محمد ولد لحظانه

في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، تتقدّم الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: كيف نحافظ على تماسك المسار الإصلاحي؟ كيف نُحسن إدارة النقاش العمومي؟ وكيف نميّز بين النقد المشروع والتشويش المقصود؟
ولعلّ هذا السؤال الأخير هو الأكثر إلحاحًا في هذه المرحلة، لأن المجتمعات التي تختار الإصلاح طريقًا لا تملك ترف الانشغال بالضجيج حين يكون البناء أولى بالاهتمام.

ومن هذا المنطلق، تبدو القضايا التي أُثيرت في الأسابيع الأخيرة – من الحديث عن المأموريات، إلى الجدل حول الزيادة الضريبية ذات الطابع الموضوعي، وصولًا إلى الهجوم على معالي الوزير الأول – كأنها خيوط متعددة لعنوان واحد. فقد يكون من حق الجميع أن يناقشوا، وأن يختلفوا، وأن يعبّروا عن آرائهم؛ غير أن ما يلفت الانتباه ليس مضمون النقاش في ذاته، بل توقيته وطريقته وحدّته.

فإذا بدأنا بموضوع المأموريات، نجد أنه يُطرح في سياق دستوري محسوم، وفي لحظة سياسية لا تحتمل إعادة إنتاج نقاشات أُشبعت تناولًا. ومن هنا، يبدو الأمر أقرب إلى استدعاء ملفّات قابلة لإثارة الجدل أكثر منه سعيًا إلى معالجة إشكال قائم.
وإذا انتقلنا إلى الزيادة الضريبية، فإنها – مهما اختلفت الآراء حول تفاصيلها – تظل إجراءً ذا طبيعة تنظيمية ومالية يُفترض أن يُناقش بميزان الأرقام والحاجات الواقعية للدولة، لا بمنطق الشعار والتعبئة.

ولهذا، تبدو بعض أشكال الاحتجاج التي رافقت هذا الملف أقرب إلى تعبير انفعالي منها إلى موقف مبني على قراءة شاملة للواقع المالي والاقتصادي. فالإصلاحات الجبائية لا تُقاس بمعزل عن حاجات الدولة إلى تمويل خدماتها الأساسية، ولا عن مسؤولية توزيع العبء بصورة أكثر تنظيمًا وعدالة. وحين تُختزل المسألة في صورة أحادية، فإن النقاش يفقد توازنه، وتغيب عنه الرؤية المركّبة التي تقتضيها مثل هذه القرارات.

وفي امتداد هذا السياق، جاء الهجوم على معالي الوزير الأول، وكأنه حلقة أخرى في سلسلة تصعيد متزامن. غير أن تقييم الأداء التنفيذي لا يُبنى على الانطباعات ولا على إيقاع الحملات، بل على معايير موضوعية واضحة. ومن يتابع سير العمل الحكومي يلحظ أن الوزير الأول يمارس مهامه ضمن الأطر المحددة له، ويسعى إلى تنزيل التوجيهات العامة إلى سياسات وإجراءات عملية. كما أن استمرار تحمّله للمسؤولية حتى هذه اللحظة يعكس بوضوح أن الثقة السياسية ما تزال قائمة، وأن ميزان التقدير المؤسسي لم يتأثر بما يُتداول في بعض الخطابات المتعجلة.

وهنا تتضح الصورة أكثر: ليست المشكلة في طرح القضايا، بل في طريقة طرحها، ولا في النقد ذاته، بل في تحوّله إلى حملة متزامنة تتكثف قبيل استحقاق وطني جامع بحجم الحوار الوطني المرتقب.
فحين تتقاطع هذه الملفات جميعًا في زمن واحد، وبنبرة تصعيدية واحدة، يصبح من المشروع أن يُطرح سؤال عن الغاية: هل نحن أمام نقاش إصلاحي جاد؟ أم أمام محاولة لإعادة ترتيب المشهد عبر إرباكه؟

إن المسيرة الإصلاحية – بطبيعتها – لا تخلو من قرارات صعبة ولا من تباينات في التقدير. غير أنها تحتاج، حتى تنضج ثمارها، إلى بيئة مستقرة تسمح بالتقييم الهادئ والمراجعة المسؤولة. أما خلق حالة من الضجيج المتواصل، فإنه لا يقدّم بديلًا، ولا يثري نقاشًا، بل يربك الرأي العام ويشوّش على الأولويات.

ومن هنا تحديدًا، تتعاظم خطورة تعكير الأجواء قبيل انطلاق حوار وطني يُفترض أن يكون مساحة جامعة. فالحوار لا يزدهر في مناخ الاتهام المسبق، ولا في ظل حملات متسارعة، بل في بيئة من الطمأنينة والاحترام المتبادل، حيث تُطرح القضايا بعمق لا بانفعال.

لذلك، ليس من الحكمة أن يتحوّل كل قرار إداري أو مالي إلى معركة رمزية، ولا أن تُختزل مؤسسات الدولة في أشخاص، ولا أن يُعاد فتح ملفات محسومة لإثارة غبار سياسي عابر. فالدول التي تسير في طريق الإصلاح تحتاج إلى ترشيد النقاش لا إلى تأجيجه، وإلى تعميق الوعي لا إلى اختزاله أو تشويهه.

ومن هذه الزاوية، يتبيّن أن الإصلاح الحقيقي لا يُواجه بالضجيج، بل يُقوَّم بالحجة.
وأن الدولة حين تمضي في نهج تنموي إصلاحي، فإن أكثر ما تحتاجه ليس التصفيق، بل نقاشًا مسؤولًا يوازن بين الحرية والمسؤولية.
أما التشويش، فمهما ارتفع صوته، يظل أقل أثرًا من مشروع يعرف طريقه.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى