البنك الإفريقي للتنمية يكشف عن استثماراته في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (استيم) ويثني على التعاون معها

كشف البنك الأفريقي للتنمية عن حجم استثماراته في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (سنيم)، مؤكداً أن إجمالي التمويلات التي قدمها للشركة بلغ نحو 500 مليون دولار منذ بداية الشراكة بين الجانبين.
وأشاد البنك بمستوى التعاون القائم مع سنيم، معتبراًت أن هذه الشراكة شكلت نموذجاً ناجحاً في دعم وتطوير قطاع التعدين في موريتانيا.
وأشار البنك في تقريره إلى أن دعمه لسنيم، الذي يعود إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، ساهم في تحديث معدات الإنتاج وتحسين جودة الخام الموريتاني، فضلاً عن دعم مشاريع لوجستية ساعدت على زيادة القدرة التصديرية للشركة.
وأوضح التقرير أن هذه الاستثمارات ساهمت في تمويل مشاريع استراتيجية شملت تطوير عمليات استخراج خام الحديد ومعالجته، إضافة إلى تحديث البنية التحتية المرتبطة بالنشاط المنجمي، مثل السكك الحديدية ومرافق الموانئ، مما ساعد على تعزيز القدرة الإنتاجية والتصديرية للشركة.
وأكد البنك أن سنيم تعد أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في موريتانيا، مشيراً إلى أن دعمها يندرج ضمن جهوده الرامية إلى تعزيز القطاعات الإنتاجية ودعم التنمية الاقتصادية في البلاد.
وأشار التقرير إلى أن الشركة رفعت طاقتها الإنتاجية من نحو 10 ملايين طن سنوياً في ثمانينيات القرن الماضي، وتستهدف بلوغ 45 مليون طن على المدى المتوسط، فيما ارتفعت نسبة الحديد في الخام المُصدَّر من نحو 30 بالمئة إلى 66 بالمئة بعد المعالجة.
وأكد أن هذه الاستثمارات تعكس التزامه بمواكبة جهود التنمية الاقتصادية في موريتانيا، وتعزيز القطاعات الإنتاجية التي تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
نص التقرير :
تتقدم سفينة نقل خام الحديد مثل عملاق البحار في اتجاه الرأس الأبيض. في صباح من شهر نوفمبر، السماء صافية والبحر هادئ كأنه صفحة زيت. على جسر القيادة، يسبر محمد ولد القطب الأفق عبر منظاره البحري. وعلى بعد أميال بحرية قليلة من السواحل الموريتانية، يقود القبطان السفينة الضخمة، وهي من بين أكبر السفن في فئتها. ويقول عبر جهاز اللاسلكي موجها حديثه إلى مسؤول ميناء المعادن في نواذيبو: “نتوقع الرسو على الرصيف بعد عشرين دقيقة”.
يتواصل الحوار عبر اللاسلكي مع اقتراب السفينة. في ميناء المعادن بنواذيبو تبدو هذه الاتصالات عادية، لكنها في الحقيقة تعكس تحولا عميقا في البنية التحتية المحلية.
قبل بضع سنوات، كان تنفيذ مناورة من هذا النوع مستحيلا بسبب حجم ووزن مثل هذه السفينة. فالميناء القديم كان يقتصر على استقبال سفن معدنية بحمولة تصل إلى 150 ألف طن، نتيجة عمق غاطس لا يتجاوز 16.15 مترا. يقول محمد ولد القطب متذكرا: “نحن على متن واحدة من أكبر سفن نقل المعادن في العالم. كان من المستحيل فعلا مناورَة سفينة بهذا الحجم في الميناء القديم”.
لكن الأعمال المنجزة خلال السنوات الأخيرة غيرت الوضع. فقد جرى تعميق القناة البحرية لمسافة 25 كيلومترا، وأصبح عمقها يتجاوز الآن 22 مترا، ما يوفر غاطسا يزيد على 18 مترا. ونتيجة لذلك أصبح ميناء المعادن بنواذيبو قادرا على استقبال سفن معدنية عملاقة. ويؤكد البحار: “يمكن للسفن حاليا أن تُحمَّل حتى 230 ألف طن”
محمد ولد القطب قبطان في البحرية التجارية وقائد سفن في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم، سنيم، منذ ثلاثين سنة. ويرى في هذا التطور قفزة واضحة مقارنة بالماضي. فقد انتهت القيود التقنية التي كانت تحد من التصدير، وبالتالي من تنافسية قطاع التعدين الموريتاني.
*سلسلة لوجستية متكاملة*
في الواقع لا يشكل ميناء المعادن في نواذيبو سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة لوجستية تبدأ بعيدا في المناجم في عمق الصحراء. كل يوم تعبر قطارات من بين الأطول في العالم، يصل طولها إلى 2.5 كيلومترا، مسافة تزيد على 700 كيلومتر لنقل خام الحديد. ويقول محمد تقي الله بفخر، وهو يمارس هذه المهنة منذ عشرين سنة: “أنا أقود أحد أطول القطارات في العالم. وبطريقة ما أقود قاطرة الاقتصاد الموريتاني”.
وكما حدث في الميناء شهدت السكة الحديدية التي تنقل خام الحديد عملية تحديث. ويقول محمد تقي الله: “في السابق كانت القاطرات قديمة ومتهالكة. أما اليوم فنقود آلات حديثة أكثر قوة وموثوقية، قادرة على نقل كميات أكبر بكثير”.
هذا التحديث يدعم زيادة تدريجية في الإنتاج. قبل ثلاثين سنة أدى نضوب أول منجم في تازاديت إلى دفع سنيم لمراجعة استراتيجيتها. ويشرح المهندس في الإنتاج الشيخ ماء العينين: “كان علينا الاستثمار أكثر في كل مرحلة من سلسلة القيمة حتى نواصل خدمة زبنائنا، من الاستخراج إلى التصدير، مرورا بالإثراء والمعالجة والنقل”. وقد سمحت هذه الاستثمارات، إلى جانب مشاريع أخرى بالشراكة مع شركات دولية، بالتطلع على المدى المتوسط إلى إنتاج سنوي يصل إلى 45 مليون طن من خام الحديد، في حين لم يكن يتجاوز 10 ملايين طن في ثمانينيات القرن الماضي.
ولا يقتصر التحسن على الكميات فحسب، بل يشمل الجودة أيضا. فالخام المغناطيسي الذي يوجد طبيعيا بنسبة حديد تقارب 30 في المائة أصبح اليوم يُصدَّر بعد إثرائه بنسبة تصل إلى 66 في المائة. ويضيف المهندس: “تحقق هذا الارتفاع في نسبة الحديد بفضل مصانع الإثراء والاستثمارات التي تمت خلال السنوات الأخيرة في تجهيزات إنتاج حديثة”. ويعد هذا التطور عاملا حاسما في سوق دولية شديدة التنافسية. وقد تحقق بفضل دعم مساهمي شركة سنيم والجهات الممولة، من بينها مجموعة البنك الإفريقي للتنمية التي عبأت منذ سنة 1978 ما مجموعه 500 مليون دولار لدعم مسار تطوير سنيم.
*سنيم، ركيزة صناعية في موريتانيا*
يبرز كذلك تحد أساسي آخر هو الطاقة. فقد اعتمدت الصناعة المعدنية الموريتانية في بداياتها على الوقود الأحفوري، لكنها بدأت تتحول نحو مزيج طاقوي أكثر استدامة. وتوضح هولي ندوغو، مهندسة متخصصة في البيئة لدى سنيم: “قمنا بنشر 19 ميغاواط من الطاقات المتجددة في مختلف مواقعنا، بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح”. وفي مصنع نواذيبو يوفر حقل الرياح الذي تبلغ قدرته أربعة ميغاواط نحو 30 في المائة من احتياجات الموقع من الطاقة. وتضيف مبتسمة: “بهذا نتجنب انبعاث نحو 12 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا. وهذا أمر مفيد للبيئة”.
مع ما يقارب 7000 عامل ومساهمة تعادل نحو 9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لموريتانيا، تبرز سنيم فاعلا رئيسيا في الاقتصاد الوطني. وعلى الأرصفة وفي عمق الصحراء أو داخل غرف التحكم يعبر الجميع عن الشعور بالفخر: “ما نقوم به هنا يساهم في تنمية بلدنا موريتانيا”.
يهبط الليل ببطء على نواذيبو. وعلى جسر القيادة يراقب محمد ولد القطب هيكل السفينة وهو يبتعد عن الرصيف مضاء بكشافات الضوء. ويعلن عبر اللاسلكي: “فكوا الحبال، ننطلق”.
تنزلق السفينة الرائدة، المحملة بمئات آلاف الأطنان من خام الحديد، خارج الميناء. وسط هدير المحركات وصوت أمواج المحيط، يدرك القبطان أنه لا ينقل مجرد حمولة، بل ثمرة عمل آلاف الموريتانيين الذين يعملون من أجل نهوض بلدهم.