بين السعي والتوفيق / محمد ولد لحظانه

في مسارات الحياة، كثيرًا ما نميل إلى قياس الأمور بما نراه من جهدٍ مبذول، أو بما نخططه من خطواتٍ مدروسة، أو بما نحمله من طموحاتٍ كبيرة. نضع الخطط، ونرتب الأولويات، ونسعى بجدٍ إلى بلوغ ما نراه هدفًا مستحقًا. غير أن التجربة، حين تتراكم بهدوء، تكشف لنا أن هذه العناصر كلها ـ على أهميتها ـ لا تكفي وحدها لصناعة النتيجة كما نتخيلها.

فكم من جهدٍ صادق لم يبلغ غايته كما رُسم له، وكم من فكرةٍ بسيطة فُتحت لها الأبواب حتى صنعت أثرًا يتجاوز توقعات أصحابها. وبين هذين المشهدين يتسلل معنى عميق لا يظهر في البداية، لكنه يتضح مع مرور الوقت؛ معنى يجعل بعض المسارات تمضي بسلاسة غير متوقعة، بينما تتعثر مسارات أخرى رغم ما بُذل فيها من جهد وإتقان.

وهنا يبرز ما يمكن أن نسميه التوفيق؛ ذلك العنصر الهادئ الذي لا يُرى بسهولة، لكنه يتجلى في النتائج. فالتوفيق ليس بديلاً عن العمل، ولا عذرًا للتقاعس، بل هو حالة من الانسجام الخفي بين النية الصادقة، والسعي الجاد، والظروف التي تتآلف في لحظةٍ ما لتسمح للأمور أن تمضي في طريقها الصحيح.

ومن خلال هذا الفهم، يتضح أن قيمة الجهد لا تُقاس فقط بحجمه، بل بما يرافقه من تيسير. فقد يعمل الإنسان طويلًا، لكنه يدرك في لحظةٍ ما أن اكتمال الأمور لا يتحقق بالإرادة وحدها. هناك دائمًا مساحة لذلك العامل الخفي الذي يجعل الأبواب تُفتح في الوقت المناسب، والفرص تتشكل حين تكون الحاجة إليها أشد.

ولهذا ربما تكون الحكمة في التعامل مع الحياة أن يجمع الإنسان بين أمرين متلازمين: أن يسعى بجدٍ وكأنه المسؤول عن النتيجة، وأن يبقى متواضعًا وهو يدرك أن اكتمالها لا يكون إلا بالتوفيق. فالسعي يفتح الطريق، لكن التوفيق هو الذي يمنح الخطوات معناها ويقودها إلى غايتها.

وهكذا نفهم، مع مرور التجارب، أن أعظم ما يمكن أن يُرزق به الإنسان ليس مجرد القدرة على العمل، بل أن يُوفَّق في عمله. فالتوفيق حين يحضر يجعل القليل كثيرًا، ويحوّل المحاولة إلى إنجاز، والطريق إلى وصول، ويمنح الجهد معناه الأعمق.

محمد لحظانه

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى