قراءة في بيان حزب الإنصاف حول تنظيم سوق الهواتف / محمد ولد لحظانه

في خضم النقاش الذي رافق الإجراءات الجديدة المتعلقة بتنظيم استيراد الهواتف المحمولة في إطار قانون المالية لسنة 2026، جاء بيان حزب الإنصاف ليضيف إلى هذا الجدل العمومي بعداً سياسياً يستحق التوقف عنده. فقد صدر في لحظة يتابع فيها الرأي العام باهتمام انعكاسات هذه الإجراءات على السوق وعلى آلاف الشباب الذين ينشطون في تجارة الهواتف، وهو ما جعل القضية تتجاوز بعدها التقني لتتحول إلى موضوع حاضر بقوة في النقاش الوطني.

ومن هذا السياق بالذات تبرز أهمية البيان. فالنص لم يكتف بتقديم موقف تقليدي داعم لمسار الإصلاح، بل حاول أن يضع النقاش في إطاره الأوسع، مذكِّراً بأن بناء اقتصاد وطني منظم يمر ـ بالضرورة ـ عبر نظام جبائي عادل وشفاف يشارك فيه الجميع. وهي فكرة تبدو اليوم من المسلمات في مسارات الإصلاح الاقتصادي، حيث لم يعد ممكناً الحديث عن تنمية مستدامة في ظل قطاعات واسعة تعمل خارج الأطر القانونية والتنظيمية.

ومع ذلك، لم يقف البيان عند حدود التأكيد على مبدأ التنظيم الاقتصادي. فإلى جانب هذا البعد الإصلاحي، حرص النص على استحضار البعد الاجتماعي للقضية، مذكِّراً بواقع الشباب الذين وجدوا في تجارة الهواتف مورداً للعيش. ومن هنا بدا واضحاً أن البيان يسعى إلى الإمساك بالخيط الدقيق الذي يجمع بين ضرورتين لا ينبغي أن تتعارضا: تنظيم الاقتصاد من جهة، ومراعاة أوضاع الفاعلين في السوق من جهة أخرى.

ومن خلال هذا التوازن تتشكل الدلالة الأعمق للبيان. فالنص، وإن جاء بلغة هادئة ومتوازنة، يوحي بنوع من القرب من هموم المواطنين في قضية تمس حياتهم اليومية. وهي إشارة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها رسالة غير مباشرة مفادها أن الحزب حريص على أن يكون قريباً من نبض المجتمع، وهو ما يمكن قراءته كنوع من الاصطفاف الهادئ إلى جانب الناس.

ولعل ما يمنح هذه الإشارة أهميتها أنها تأتي في سياق تطور الخطاب الحزبي نفسه. فالمتابعون للشأن السياسي يدركون أن العمل الحزبي في مراحل سابقة كان ينشغل، في جانب معتبر منه، بثقافة الحشد السياسي وتنظيم التعبئة لإنجاح الزيارات والأنشطة الرسمية، وهي أدوار شكلت لفترة طويلة جزءاً من الصورة التقليدية للعمل الحزبي.

غير أن البيان الأخير يوحي بأن مساحة أخرى بدأت تتشكل داخل هذا الخطاب؛ مساحة تحاول أن تجعل من الحزب فاعلاً في النقاشات التي تمس حياة الناس اليومية، لا مجرد إطار للتعبئة السياسية. وهو تحول هادئ، لكنه يعكس في جوهره محاولة لإضفاء بعد اجتماعي واقتصادي أوضح على الخطاب الحزبي.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى البيان بوصفه خطوة في اتجاه خطاب سياسي أكثر قرباً من المجتمع وأكثر التصاقاً بقضاياه. وهو توجه، إذا ما استمر وتعزز، يمكن أن يعزز دور الحزب في الحياة العامة بحيث لا يقتصر على التعبئة السياسية، بل يمتد أيضاً إلى مواكبة النقاشات الاقتصادية والاجتماعية وتفسيرها والمساهمة في تهدئة التوترات التي قد ترافقها.

وفي هذا السياق، من المهم التذكير بأن مثل هذا التوجه لا ينبغي أن يُفهم ـ كما قد يروّج البعض ـ على أنه طعن في ظهر الحكومة أو خروج على منطق الانسجام داخل الأغلبية. بل على العكس من ذلك، يمكن النظر إليه باعتباره تعبيراً عن تكامل طبيعي في الأدوار بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات التنفيذية، وهي ظاهرة صحية في أي تجربة سياسية تسعى إلى توسيع النقاش العمومي وإثراء مقاربة السياسات العامة.

ومن هنا تبدو أهمية أن تجد مثل هذه الإشارات صدى لدى الجهات المعنية بتنفيذ السياسات العمومية. فالإصلاحات، مهما كانت وجاهتها، تحتاج دائماً إلى قدر من الإنصات والتفاعل مع نبض المجتمع. ولذلك فإن التقاط الحكومة لمثل هذه الرسائل بالسرعة المطلوبة يمكن أن يسهم في جعل مسار الإصلاح أكثر توازناً وأكثر قدرة على تحقيق أهدافه.

وبهذا المعنى، قد لا يكون بيان حزب الإنصاف مجرد موقف سياسي عابر من قضية اقتصادية مطروحة للنقاش، بل يمكن أن يُقرأ أيضاً كعلامة على نبرة مختلفة في الخطاب الحزبي؛ نبرة تحاول أن توازن بين دعم الإصلاح والإنصات لهموم المواطنين. وهي نبرة، إن ترسخت، قد تعزز الثقة في الخطاب السياسي وتؤكد أن السياسة لا تُبنى بالحشد وحده، بل تترسخ أيضاً بالفهم والاقتراب من الناس.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى