محمد محمودي النوت يكتب: التصوف في ذاكرة الأمة ويوميات المسلمين

استبدّ الخطاب الوهابي، لأكثر من نصف قرن، بجزء واسع من فضاء المسلمين الفكري والروحي، ولم يكن في حقيقته مذهبًا بالمعنى الفقهي الدقيق بقدر ما كان قراءةً مخصوصة للدين، تحولت مع الزمن إلى مشروع لمواجهة كثير من مظاهر التنوع الروحي والمذهبي في الأمة. وكان التصوف وأهله في مقدمة ما استهدفه هذا الخطاب، حتى غدت الحرب على التصوف، في بعض تجلياتها، اختزالًا قاسيًا لذاكرة أمة شديدة الثراء والتعدد.
والأخطر من ذلك ظهور تيارات تكفيرية جعلت من الإقصاء عقيدة، ومن التخوين سلاحًا، ومن التنكيل والتهجير والقتل والتفجير، في بعض مراحلها، أدواتٍ لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور أحادي لا يحتمل الاختلاف.
غير أن من لا يعرف أحوال أهل الذكر، ومراتب أهل الطهر، ومقامات صفاء النفس، قد يقرأ بعض العبارات الصوفية خارج سياقاتها، فيقتطع من كلام المجاذيب وأهل الوجد ما يشاء، ثم يجعله ممثلًا للتصوف كله.
فالحلاج وابن عربي، على جلال قدرهما في تاريخ التجربة الصوفية، جزء من المشهد لا المشهد كله؛ ولا يصح أن تُقرأ عباراتهما وكأنها لسان واحد يتحدث باسم الغزالي، أو الجيلاني، أو الشيخ سيدي المختار الكنتي، أو الشيخ محمد فاضل ولد مامين القلقمي، أو الشيخ أحمد التجاني، وغيرهم من أعلام التصوف الذين امتدت آثارهم في أقاليم واسعة من العالم الإسلامي.
فالتصوف ليس نصًا واحدًا، ولا تجربة واحدة، ولا لسانًا واحدًا؛ إنه طبقات من الذوق والمعرفة والسلوك، تتجاور فيها التجربة الفردية مع التربية الروحية، والعرفان مع الفقه، والوجد مع الأدب، والزهد مع خدمة الناس. وفيه الفقيه الذي يمشي على حافة النص، والعارف الذي ينفذ إلى ما وراء العبارة، والزاهد الذي يرى الدنيا عابرة، والمجذوب الذي قد تعجز اللغة نفسها عن ترجمة حاله.
ومن هنا لا يصح أن تُتخذ شطحات بعض أهل الوجد معيارًا للحكم على مدرسة كاملة، كما لا يصح أن تُجعل أخطاء بعض المنتسبين إلى التصوف حجة على تراث روحي امتد قرونًا، وعاش في أمصار مختلفة، وتلون بألسنة وثقافات وتجارب لا يحصرها تعريف واحد.
وفي المقابل، فإن إنصاف التصوف لا يعني وضعه فوق النقد، ولا تحويل رموزه إلى معصومين؛ بل يعني أن نقرأ كل تجربة في سياقها، وكل عبارة في مقامها، وكل شيخ في مدرسته، وأن نفرق بين لغة الفقه ولغة الذوق، وبين البرهان والإشارة، وبين المقال والمقام. فكثير مما يبدو متناقضًا في ظاهر العبارة قد يكون مفهومًا حين يُردّ إلى اصطلاح صاحبه وحاله ومقامه.
ولذلك فإن اختزال التصوف في الحلاج أو ابن عربي، كما اختزاله في الكرامات والحكايات، ظلمٌ لتاريخ طويل من التربية والسلوك والمعرفة. فقد كان الغزالي، والجيلاني، والتجاني، والكنتـي، ومحمد فاضل ولد مامين القلقمي، وسواهم، يمثلون تجارب مختلفة في بناء الإنسان من الداخل، لا مجرد أسماء في سجل الطريقة.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نعود إلى السؤال الأعمق: ماذا بقي من التصوف في ذاكرة المسلمين، بعد أن تجاوزنا جدل المدارس والخصومات؟
بقي في تفاصيل الحياة أكثر مما بقي في الكتب.
بقي في الذكر الذي تفتتح به البيوت صباحاتها، وفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي تجري على الألسنة بلا تكلف، وفي التوبة التي لا يسمعها أحد، وفي دمعة العابد حين يخلو بنفسه، وفي أدب الشيخ مع مريده، وفي مريد يتعلم أن تهذيب القلب قد يكون أصعب من تهذيب اللسان. بقي في الزوايا والمساجد، وفي مجالس العلم والذكر، وفي القصائد التي حفظتها الأجيال دون أن تسأل أحيانًا عن اسم صاحبها.
وهكذا يتضح أن التصوف لم يكن مجرد فصل في تاريخ الأفكار الإسلامية حتى يُطوى بانتصار مدرسة على أخرى؛ لقد كان، في وجوه كثيرة، طريقة من طرق عيش الإسلام في الوجدان. دخل إلى الذاكرة لا بوصفه مذهبًا مجردًا، وإنما بوصفه تجربة إنسانية: خوفًا ورجاءً، حبًا وشوقًا، زهدًا وتعلقًا، وانكسارًا أمام عظمة الخالق.
ولعل لهذا السبب بالذات يصعب اقتلاع التصوف من الذاكرة الإسلامية؛ فالأفكار يمكن أن تُهزم في المناظرات، والمدارس يمكن أن تتراجع، والكتب قد تُهجر، أما ما استقر في الوجدان عبر أجيال من العبادة والذكر والمحبة، فلا يغادر بسهولة.
فالأمم لا تحفظ تاريخها في كتب الفقه وحدها، ولا في سجلات السلاطين والحروب؛ تحفظه أيضًا في دمعة عابد، وتسبيحة شيخ، وأنّة عاشق، وقصيدة سال بها الوجد من قلب رجل لم يجد إلى ما في قلبه من سبيل إلا الإشارة. وربما كان التصوف، في أعمق معانيه، ذلك الجزء من الإسلام الذي عاشته الأمة أكثر مما شرحته؛ وسكن الأرواح قبل أن يدخل في دفاتر المؤرخين.