على الرئيس أن يسمو فوق التجاذبات / الرئيس بيرام ولد الداه ولد أعبيد

إن توقيف الصحفي حنفي ولد دهاه، على خلفية مجرد منشور على فيسبوك، أمر لا يمكن تبريره، لا سيما أنه يأتي امتدادا لسلسلة طويلة من الاعتقالات التي طالت صحفيين ومدونين ونشطاء، ويؤكد الانحسار المتواصل للحريات العامة في بلدنا.

لقد باتت السلطة تخلط بين النقد والإهانة، وبين إبداء الرأي وارتكاب الجرم، مع العلم أن الديمقراطية لا تُبنى في مناخ الخوف، ولا يمكن أن تزدهر حين يضطر المواطنون والصحفيون والمدونون إلى وزن كل كلمة قبل النطق بها أو كتابتها، خشية الانتقام. إن حرية الرأي والتعبير والصحافة ليست منّة تمنحها السلطة متى شاءت وتحجبها متى شاءت، بل هي حق أساسي تقع على عاتق الدولة مسؤولية حمايته وصونه.

لم يشهد التاريخ السياسي الموريتاني الحديث رئيسا للبلاد تعرّض لهذا القدر من الانتقادات والسخرية وحملات التشويه، من حيث كثافتها وحدّة نبرتها، مثلما يتعرض له الرئيس الحالي. وهذه ظاهرة لا يجوز تجاهلها أو الاستخفاف بدلالاتها، بل كان ينبغي أن تدفع رئيس الدولة إلى التساؤل بجدية عن الأسباب العميقة وراء هذا الرفض المتنامي، وعن حقيقة ما يكشفه هذا العداء المتواصل من اختلال في العلاقة بين السلطة والمواطنين. فبدلا من أن تدفع هذه الانتقادات بالسلطة إلى مراجعة خياراتها وسياساتها، تتوالى، منذ وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، موجة الاعتقالات والمتابعات التي تستهدف مدونين وصحفيين ونشطاء بسبب منشوراتهم أو مواقفهم.

ولعل القانون المتعلق بحماية الرموز الوطنية قد أسهم في تكريس هذا المناخ المقيّد للحريات، وفي تعميق التوتر في العلاقة بين النشطاء والسلطة. فمن خلال تجريم التعبيرات التي تُعتبر مسيئة للرئيس أو للرموز الوطنية، يغذي هذا القانون الخوف والرقابة الذاتية، ويعزز لدى قطاعات واسعة من المواطنين الشعور بأنهم يُكمَّمون كلما تجرأوا على انتقاد أداء السلطة ومساءلة سياساتها.

ويزداد هذا التضييق تعسفا في ظل سياسات حكومية تواجه انتقادات واسعة، ولا ترقى نتائجها إلى مستوى تطلعات الموريتانيين. فعندما لا تُنفَّذ التعهدات، ولا ترقى الإنجازات إلى المستوى المطلوب، ولا تتحسن الظروف المعيشية، فمن الطبيعي أن يعبّر المواطنون عن غضبهم، وأن يطرح الصحفيون الأسئلة بشأن خيارات الحكومة، وأن ينقل المدونون مشاعر الإحباط في الشارع. إن السخط الشعبي ليس جريمة، وإن معاناة شعب لا تمثل تهديدا للدولة. ولا يمكن إسكات هذا الشعور بسجن من يكشفون عنه أو يعبّرون عنه، بل إن ذلك لا يؤدي إلا إلى تأجيجه. والحكومة الجديرة بالمسؤولية تواجه النقد بالتوضيح وتصحيح السياسات الفاشلة، لا بالقمع.

ومنذ انطلاق الحملة الإعلامية والأمنية التي استهدفت بعض مدوني المهجر، وما رافقها من اعتقالات طالت ذويهم، عبّرت مرارا عن إدانتي لهذه الملاحقات والاعتقالات، وطالبت بكشف ملابسات اعتقال جميع المعنيين بهذا الملف وضمان حقوقهم.

غير أن هذه القضية تستدعي أيضا توجيه خطاب مباشر إلى رئيس الدولة.

السيد الرئيس،
منذ بداياتي في العمل السياسي، وأنا أتعرض للشتائم والانتقادات اللاذعة والاتهامات والافتراءات وحملات التشهير التي لم تستهدف حياتي العامة فحسب، بل امتدت إلى حياتي الخاصة أيضا. ومع ذلك، لم تراودني الفكرة أبدا أن أجرّ أصحابها إلى المحاكم في كل مرة، لأن الحياة السياسية تنطوي بطبيعتها على قدر من التجاوزات والصدام اللفظي، وهو أمر لا ينفصل عن حرية التعبير. فإذا كان بوسع مسؤول سياسي عادي أن يتحمل ذلك، فإن رئيس الدولة أولى بالتحمل وأجدر.

ويضاف إلى ذلك أن النظام نفسه يلجأ، في بعض الظروف والأحيان، إلى تسخير أذرعه الأمنية والسياسية والإعلامية لشن حملات تشويه وشيطنة ضد معارضيه، وأنا في مقدمتهم. إنها حملات تقوم على الزيف والتضليل والتلاعب بالرأي العام. ومع ذلك، لم أسعَ يوما إلى الرد على هذه الحملات بمثلها، فضلا عن أن ألجأ إلى القضاء لملاحقة مروّجيها. فهذه الممارسات، على ما تنطوي عليه من تشويه وافتراء، تندرج في سياق الصراع السياسي والتنافس على الرأي العام، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتكميم الأفواه أو الزج بالمنتقدين في السجون.

إن المنصب الذي تشغلونه يفرض عليكم سعة الأفق ورحابة الصدر وضبط النفس والقدرة على تحمّل النقد، حتى حين يكون جائرا أو مفرطا أو جارحا. أنتم أعلى سلطة في الدولة، ولستم طرفا من أطراف السجال. ورئيس الدولة لا ينزل إلى ساحة خصومه، ولا يترك الانطباع بأن أدنى عبارة غير لائقة في حقه قد تؤثر عليه أو قد تقود صاحبها إلى السجن.

إن هيبة المنصب الرئاسي تستحق الحماية، لكن هذه الحماية لا تعني تحصينه ضد النقد، ولا تمنح أي سلطة ترخيصا لتجريم كل تعبير لا يروقها. أما الأفعال التي قد تشكل جرائم، فيُحتكم بشأنها إلى القانون وما يكفله من ضمانات قضائية للمشتبه فيهم والمتهمين، لا إلى الترهيب و”تبراد لخلاك” والإذلال قبل التحقيق و الحكم القضائيين. وهنا تتجلى حقيقة رئيس الدولة الواعي بهيبة منصبه، والواثق من المؤسسات التي يجسدها.

السيد الرئيس،
لا تُعزَّز سلطة الدولة بإسكات من ينتقدونها، بل تُضعَف حين يُترك لدى المواطنين انطباع بأنها لم تعد تحتمل الاختلاف أو تقبل المساءلة.

إن موريتانيا بحاجة إلى سلطة تتسع للنقاش، وتحمي الصحفيين، وتحترم الحريات العامة. أما أن يعيش المواطنون في مناخ قد يفضي فيه مجرد منشور ساخر على فيسبوك إلى إيداع صاحبه السجن، فذلك ما لا تحتاج إليه البلاد ولا يليق بها.

إن الرئيس لا ينبغي له أن يخشى صوت شعبه؛ بل إن الإصغاء إليه، حتى حين يكون صادما أو مؤلما، هو ما يرفع من مقامه. فالسمو فوق التجاذبات يعني قبول النقد دون أن يفقد الرئيس احترامه، لا فرض الصمت على الآخرين باسم تحصين الرموز.

الرئيس بيرام ولد الداه ولد أعبيد
15 أكتوبر 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى