من محاربة الفساد إلى إصلاح الانتماء: الوجه العميق للإصلاح / محمد ولد لحظانه

لقد شكّل المسارُ الأخيرُ في تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة مؤشرًا لافتًا يُعيد الأمل في أن الدولة تسير في اتجاه تفعيل الإصلاح بمفهومه الأصيل، وأن الإرادة السياسية بدأت تضع الخطوة الأولى في طريقٍ طويلٍ لاستعادة هيبة القانون وصون المال العام.
غير أن هذه الخطوة — على أهميتها — لا تكتسب معناها الكامل إلا إذا مثّلت بدايةً لمسارٍ أعمق، يمسّ جوهر الخلل الذي يهدد فعالية الدولة من الداخل: تغلغل الفئوية والطائفية في مفاصل الإدارة.

فالفساد الإداري لا يُقاس دائمًا بالأرقام أو بالتقارير، بل يتجلّى أحيانًا في طريقة توزيع الفرص، وفي منطق الولاء قبل الكفاءة، والانتماء قبل الجدارة. وحين تتسلّل هذه المعايير الصامتة إلى المؤسسات، يصبح الإصلاح مجرّد واجهة شكلية لا تمسّ عمق الأزمة. عندها يفقد التعيين قيمته، والمسؤولية معناها، وتتحوّل الدولة إلى دوائر ضيقة تُضعف ثقة المواطنين في عدالة النظام وصدقية مساره الإصلاحي، بل وتخلق أحيانًا مناخًا يحول — بطرق غير معلنة — دون تفعيل المتابعة القضائية حين تقتضيها المصلحة العامة.

لهذا، فإن مواجهة الفئوية والطائفية ليست ترفًا سياسيًّا، بل شرطًا حاسمًا لأي مشروع إصلاح حقيقي. ومن الإنصاف القول إن العبء الأكبر يقع على النظام في صموده أمام هذه الظواهر، وفي تغليب منطق الدولة على حساب الولاءات الضيقة، غير أن مساهمة الوعي الجمعي تبقى عنصرًا حاسمًا لا غنى عنه لترسيخ ثقافة الإصلاح وجعلها سلوكًا يوميًّا لا قرارًا فوقيًّا.
فالدولة التي تتسامح مع الفئوية تُضعف نفسها من حيث لا تشعر، كما أن المجتمع الذي يتعايش معها يطيل عمرها في الوعي والممارسة معًا.

إن محاربة الفساد تبدأ من حيث يُستعاد معنى المواطنة المتساوية، وتنتهي حيث تُبنى الثقة على أساس الجدارة والاستحقاق، لا على أساس القرب أو الانتماء. فالإصلاح الذي لا يطال بنية الذهنيات يُشبه من يُغيّر الأسماء ويُبقي الوجوه، ويُجمّل السطح دون أن يلمس العصب الحقيقي للأزمة. وهكذا، يصبح التحدي الأكبر أمام النظام اليوم هو أن يربط بين نزاهة الأداء وعدالة التوزيع، وأن يُعلن بوضوح — من خلال الممارسة لا من خلال الشعارات — أن زمن المحاصصة غير المعلنة والتأويلات الفئوية قد انتهى، فحين تُحسم هذه المعركة، يكون للإصلاح الإداري والمالي معنى، ويستعيد الوطن روحه الجامعة التي بها تُبنى الدولة وتستقيم مؤسساتها. هكذا نفهم الإصلاح حين يتجاوز الجدران إلى الوجدان، وحين تتحوّل المواطنة من شعار إلى ضميرٍ حيٍّ يحرس الدولة من داخلها.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى