في يوم استقلال وطنٍ لا نملك فيه إلّا الانتماء … سيدن ولد سيدالأمين ولد طالبنا

في موريتانيا ، بلادِ شنقيط ، أرضِ المنارةِ والرباط ، لا يُذكَر التاريخُ إلّا ويمتدُّ عميقًا في جذور الرُّحل ، وفي سُطور العلماء الذين حملوا دفاترهم على ظهور الإبل ، وفي وجوه المجاهدين الذين سقوا رمال الوطن بعرق الصبر وثبات اليقين.

هناك … تعلَّق الناسُ بالسماء قبل الأرض ، وبالكلمة قبل السيف ، وبالحق قبل السلطان ، يجيء الحديث عن الاستقلال حديثَ وجدانٍ يرفض الفتور ، لا مجرد احتفالٍ يمرُّ كما يمرُّ العابرون.
إنّ لنا الحقَّ أن نحتفل باستقلال وطنٍ لا نملك فيه إلّا الانتماء… ذاك الانتماء الذي لا تمنحه لنا سلطةٌ ولا يسلبه منّا ظالم … هو انتماءٌ ينبض في الصدر ولو جفّت خزائن الدولة ، ويكبر في الروح ولو ضاقت بنا السُّبل.

فالاستقلال — مهما طال عليه الزمان — ليس وثيقةً تُحفظ في الأرشيف ، بل شعورُ كرامةٍ يتجدّد في كل قلب يؤمن بأن البلاد تُبنى بالولاء، وتُصان بالوعي، وتعلو بالعدل.

لكننا — ونحن نرفع راية الاستقلال — لا نُغالط أنفسنا ، فهذا الوطن لا يزال يحتاج الكثير… الكثير جدًّا … لا يزال ينتظر أبناءه أن يحملوا حظَّهم من بنائه ، لا انتظارًا لمعجزةٍ ولا حكومةٍ مثلى ، بل إدراكًا بأن كل أمةٍ تبدأ من مواطنٍ صالحٍ يعرف ما له وما عليه ، قبل أن تبدأ من قرارٍ فوقيٍّ أو مشروعٍ موسمي.

إنّ بناء الوطن يبدأ من فكرة ، من ضميرٍ يصحو كل صباحٍ ليسأل نفسه:
“ماذا أضفتُ اليوم لبلادي؟ لا ماذا أخذتُ منها؟”
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ، ولا تُنقذها الخطب الرنانة … تُبنى حين يعلم كلّ فردٍ أن دوره ، وإن بدا صغيرًا ، هو أساس البناء كله ؛ من معلّمٍ يغرس المعرفة …إلى موظفٍ يتقي الله في عمله …إلى شابٍّ يرى في الوطن مشروعًا لا غنيمة.

فيا أبناء شنقيط… إنّ استقلالكم اليوم ليس ذكرى ، بل مسؤولية … مسؤوليةٌ تُلقي على كاهل كل واحد منكم عبءَ إصلاح النفس قبل إصلاح الدولة ، والوفاء بالواجب قبل المطالبة بالحق ، وإحياء ميراث المنارة والرباط في العلم والجهاد والصدق.

وختامًا… فإنّ موريتانيا — وإن بدت أحيانًا كالسيف المغمود في غمد الإهمال — لا تزال تحمل في جوفها حدَّها اللامع ، حدًّا لا يُشرقه إلا سواعد أبنائها ، فهذا الوطن ليس دارَ إقامةٍ فحسب ، بل أمانةٌ في الأعناق ، ووديعةٌ تُستردُّ يوم يُسأل المرء عمّا قدّم لا عمّا تمنّى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى