الكاتب سيد أحمد ولد عبدي يكتب: محمد ول احمين السالم: رجل الأعمال الذي اختار أن يستثمر في الذاكرة والإنسان

في فسحةٍ من الزمنِ لا تُقاسُ بالساعات، بل تُوزنُ بما خلّفته من أثرٍ في الوجدان، ينهض اسمُ محمد ول احمين السالم كما تنهض القلاعُ الراسخة في وجه الرياح؛ ثابتًا، مهيبًا، وممتدّ الجذور في تربة المجد والوعي … هو رجلُ أعمالٍ في ظاهر الوصف، غير أنّ حقيقته أوسع من حدود الاقتصاد وأعمق من منطق الربح والخسارة؛ إذ جمع بين فطنة التاجر وبصيرة المثقف، وبين حنكة التدبير وسموّ الرسالة.

لقد حاز محمد ول احمين السالم مكانةً عليّة بين قومه لا لأن المال اصطفاه، بل لأن القيم اصطفته، فالمكانة، في معجم الرجال الكبار، لا تُمنح إلا لمن جعل من ذاته جسرًا يعبر عليه الآخرون نحو النور.
كان حضوره في مجتمعه حضورَ ركنٍ من أركان السند، وصوتًا للعقل حين يضطرب، ويدًا ممدودة حين يضيق الأفق، فصار اسمه يُتداول لا بوصفه علمًا على شخص، بل علامةً على الثقة والكرم والنبل.

وإذا ذُكر مهرجان وادان، ذلك العرس الثقافي الذي يتجاوز كونه تظاهرة فنية ليغدو مرآةً لذاكرة المكان وروح الإنسان، فإن اسم محمد ول احمين السالم يلوح في الصفوف الأولى من الرواد الذين آمنوا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وجود.

كان من أبرز دُعاته، ومن أوفى أنصاره، لا يكتفي بالحضور الشكلي، بل يضخ في شرايينه الدعم والفكرة والرؤية، آمن بأن وادان، بتاريخها العريق، ليست مدينةً تُزار فحسب، بل نصٌّ حضاريٌّ مفتوح، يحتاج من يقرأه، ويصونه، ويعيد تقديمه للأجيال.

دعمه للحقل الثقافي لم يكن موسميًا ولا مشروطًا، بل كان أشبه بالنبع الدائم الذي لا يسأل العطاش عن أسمائهم قبل أن يمنحهم الماء … وقف إلى جانب الكتّاب، والباحثين، والشعراء، وحملة الذاكرة، مؤمنًا بأن الأمم التي لا تحفظ تراثها محكومٌ عليها بأن تعيش في الهامش، ولو امتلكت أسباب القوة المادية. وهنا تتجلّى فرادته؛ إذ لم يرَ في الثقافة زينةً جانبية، بل عمودًا فقريًا لهوية المجتمع واستمراريته.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في مكتبته الفريدة، تلك الخزانة التي لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بما تختزنه من أعمارٍ وأفكارٍ وأصواتٍ غابرة. مكتبةٌ تزخر بالكتب القديمة، والمخطوطات النادرة، والنصوص التي تحتضن بين طيّاتها تاريخ أمةٍ ومجدها، وتختصر مسيرة العقل العربي والإسلامي في لحظات صفائه وإشراقه. هي ليست مجرد رفوفٍ من الورق، بل ذاكرةٌ حيّة، ومحرابُ علم، وسفينة نجاة في بحر النسيان.

في تلك المكتبة، لا تقرأ الكلمات فحسب، بل تسمع وقع أقدام العلماء، وهمسات الفقهاء، وجدال الفلاسفة، وأناشيد الشعراء. هناك، يصبح الماضي حاضرًا، ويغدو الحرف شاهدًا على أن الحضارة التي أنجبت هذه الكتب قادرة، إذا ما أُحسن وصل ما انقطع، على أن تنهض من جديد. ولم تكن عناية محمد ول احمين السالم بهذه الكنوز ضربًا من الترف النخبوي، بل فعلَ مقاومةٍ راقية ضد التبسيط المخل، وضد اختزال الإنسان في استهلاكه اليومي.

إن الحديث عن محمد ول احمين السالم هو حديث عن نموذجٍ نادر لرجلٍ أدرك أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما نملك، بل فيما نحمي ونورّث. رجل فهم أن الاستثمار الأعمق هو ذاك الذي يُزرع في العقول، وأن أعظم الأرباح هي التي تجنيها الأجيال القادمة حين تجد من سبقها قد مهّد لها الطريق بالكتاب، وبالفكرة، وبالإيمان بقيمة الإنسان.

وهكذا، يبقى اسمه مكتوبًا لا في سجلات الأعمال وحدها، بل في سجلّ الذاكرة الثقافية، وفي ضمير المكان، وفي حكاية وادان التي لا تكتمل إلا بذكر من خدمها بصمت، ورفع لواءها بعقلٍ مستنير وقلبٍ واسع. هو من أولئك الرجال الذين إذا مرّوا في التاريخ، تركوا فيه أثرًا لا يُمحى، كالنقش في الصخر، وكالضوء في العين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى