الصحفي سيداحمد عبدي يكتب بين الإدارة والسياسة: صعود هادئ لرجل الدولة

لم يكن وصول ولد اسويدات إلى حقيبة العدل وليد الصدفة، بل جاء تتويجًا لمسار إداري متدرج، صاغ ملامحه رجلٌ تمرّس في دهاليز التسيير العمومي، قبل أن يلج معترك القرار السياسي. فمنذ تعيينه وزيرًا للعدل ضمن تعديل حكومي في سبتمبر 2025، بدا واضحًا أن السلطة تراهن على كفاءة ذات خلفية تقنية أكثر منها خطابية.

سيرة تُروى… لا تُعد

وُلد محمد ولد اسويدات في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1975 بمدينة ألاك، حيث تشكّلت ملامح طفولته الأولى في بيئة داخلية محافظة، قبل أن يشدّ الرحال في مساره العلمي نحو التخصص في الإدارة العمومية. وقد تلقى تكوينه العالي في هذا المجال، جامعًا بين الدراسة النظرية والتأهيل التطبيقي، وهو ما سيطبع لاحقًا مساره المهني بطابع عملي واضح.

مع مطلع الألفية، وتحديدًا سنة 2004، التحق بالشركة الوطنية للماء، حيث بدأ مسارًا مهنيًا هادئًا لكنه متصاعد، تنقّل خلاله بين مواقع متعددة، من العمل في العمليات المالية إلى الإشراف على اللوازم والصفقات، قبل أن يُسند إليه منصب مدير التموين واللوازم. في هذه المرحلة، راكم خبرة دقيقة في تدبير الموارد، وفهم آليات الإنفاق العمومي، وهي خبرة ستلازمه في مختلف محطاته اللاحقة.

غير أن انتقاله إلى العمل البلدي شكّل منعطفًا نوعيًا في مسيرته، حين انتُخب عمدة لبلدية ألاك سنة 2014، حيث احتكّ مباشرة بقضايا المواطنين، واختبر تحديات التنمية المحلية، كما تولى رئاسة رابطة العمد في ولاية البراكنة، ما أتاح له توسيع دائرة تأثيره الإداري والسياسي في آنٍ معًا.

ومع تزايد حضوره في المشهد العمومي، استُدعي إلى دوائر القرار المركزي، فشغل منصب مستشار برئاسة الجمهورية، قبل أن يُعيّن وزيرًا للوظيفة العمومية والعمل، وهي محطة أظهرت قدرته على التعامل مع ملفات حساسة تتعلق بالإدارة والموارد البشرية للدولة. ولم تمضِ فترة طويلة حتى أُسندت إليه حقيبة العدل، في سياق سياسي يضع إصلاح القضاء في صدارة الأولويات.

خطاب الإصلاح: العدالة بين النص والممارسة

في أولى مداخلاته بعد توليه المنصب، لخّص ولد اسويدات فلسفته في إدارة قطاع العدالة بعبارة لافتة مفادها أن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، تبقى إطارًا نظريًا ما لم تُدعَم بسلوك مهني مستقيم؛ وهي رؤية تعكس وعيًا بأن جوهر الإصلاح القضائي لا يكمن في التشريع فقط، بل في التطبيق ونزاهة الممارسة.

قراءة في الدلالة السياسية للتعيين

لا يمكن فصل تعيين ولد اسويدات عن السياق العام الذي تقوده محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث يتصدر ملف إصلاح القضاء وتعزيز الحكامة الرشيدة أولويات المرحلة. ويبدو أن الرهان، هذه المرة، يتجه نحو كفاءات إدارية قادرة على تحويل الشعارات إلى سياسات ملموسة، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي التقليدي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى