الطريقة القادرية بين تعدّد الزعامات وضرورة استعادة البوصلة / محمد ولد لحظانه

في البيوت الروحية، لا تبدأ التحوّلات دائمًا صاخبة؛ بل تتشكّل أحيانًا في صمت، قبل أن تكشف—على نحوٍ لا يمكن تجاهله—عن خللٍ يمسّ المعنى قبل أن يمسّ الشكل. وعندها، لا يعود السؤال عن تفاصيل الاختلاف، بل عن قدرة الجماعة على صون الأصل الذي قامت عليه.
ومن هذا المدخل، يبرز واقع الطريقة القادرية في غرب إفريقيا في صورة يصعب تجاوز دلالاتها: ثلاث زعامات روحية تتجاور في حيّز ضيّق، لا يتجاوز بضعة أمتار ، ومن داخل الأسرة الواحدة، في مشهد لا يعكس تكاملًا بقدر ما يوحي بتنازعٍ واضح يقترب من التصارع.
وأمام هذا الواقع تحديدًا، لا يبدو التوقف عند الوصف كافيًا؛ فهذه السطور ليست توصيفًا لحالة قائمة فحسب، بل تعبيرٌ عن امتعاضٍ صادق من هذا التباين الذي طال أمده، رجاء أن تجد هذه الكلمات آذانًا صاغية ووعيًا مستعدًا للمراجعة.
ولفهم عمق ما يجري، لا بد من استحضار الأصل: فقد كانت الطريقة، عبر تاريخها، مجالًا يجمع ولا يفرّق، ويحوّل الاختلاف إلى تنوّعٍ منضبط. غير أن ما يتشكّل اليوم يوحي بأن هذا الخيط الناظم بدأ يفقد تماسكه، وأن تعدّد المقامات في فضاءٍ واحد لم يعد إثراءً، بل أصبح عامل ارتباكٍ يطال المريد قبل غيره، حتى كأن البوصلة نفسها تعددت إشاراتها فلم يعد يُعرف من أين يُؤخذ الاتجاه.
غير أن ما يزيد هذا المشهد مفارقةً، أن هذه الأسرة—التي تنتمي إليها هذه الزعامات—عُرفت عبر تاريخها بما راكمته من خصالٍ جامعة، من حكمةٍ في التدبير، وقدرةٍ على تجاوز الخلاف، وتغليبٍ لمصلحة الطريقة على ما سواها. وهو رصيدٌ يجعل تجاوز هذا الوضع ليس ممكنًا فحسب، بل متعيّنًا، إذا ما استُحضر بروح مسؤولة.
وهنا تتجلّى الإشكالية في أبسط صورها: حين يتعدّد موضع القيادة، يفقد الاتجاه معناه.
فالمقام الذي يُفترض أن يكون مرجعًا جامعًا، لا يستقيم أن يتحوّل إلى مراكز متجاورة تتباين حولها الأنظار وتتوزّع بينها الثقة. ومع هذا التراكم، لا تعود المسألة مجرد اختلاف في التقدير، بل خللٌ في الضابط الذي يحفظ للمقام رمزيته، ويمنع تحوّله من عنصر توحيد إلى مصدر تشتّت.
وانطلاقًا من ذلك، يفرض سؤال القيادة نفسه: من يتقدّم؟ وبأي استحقاق؟ فالقيادة في هذه المقامات ليست موقعًا يُطلب، بل أمانة تُؤدّى، ولا تستقيم إلا بشروطها. وحين يُتسامح في هذه الشروط، يظهر أثر ذلك في الأداء، وفي صورة المقام، وفي ثقة الناس به.
إنّ ما يُنتظر من هذا المقام—علمًا وضبطًا وسلوكًا—لا ينسجم معه أن يُرتبط بخلل في الأداء، أو ضعف في إحكام كتاب الله، أو بممارسات لا تعكس روح الطريقة وتقاليدها. ومثل هذه المؤشرات، حين تتكرّر، لا تظلّ حالات معزولة، بل تتحوّل إلى عامل إضعافٍ يمسّ البناء كله.
ولعلّ ما ظهر في صلاة عيد الفطر الأخيرة، مما لم يغب عن أنظار الحاضرين وأثار تساؤلاتٍ واسعة لا يمكن تجاهلها، لم يكن حدثًا عابرًا، بقدر ما جاء كاشفًا لتراكمٍ سابق. وليس المقصود التوقف عند واقعة بعينها، بقدر ما يُفهم منها ضرورة صون هذا المقام في مثل هذه المحافل الجامعة، حيث تُقاس الهيبة بميزان الإتقان لا بمجرد الحضور.
ومن هنا، تتّضح الصورة أكثر: نحن أمام وضع لم يعد محصورًا في دائرته الضيّقة، بل بدأ ينعكس على صورة الطريقة في محيطها في غرب إفريقيا. وعند هذه النقطة، يصبح التأجيل جزءًا من المشكلة لا حلًا لها؛ فاستمرار هذا الوضع لم يعد يحتمل التأجيل، وترك الأمور على حالها لم يعد محافظة على التوازن، بل تفريطًا فيه.
وعليه، لم يعد اجتماع أهل الحل والعقد خيارًا، بل ضرورة تفرضها المسؤولية؛ اجتماعٌ يفضي إلى حسمٍ واضح، يعيد توحيد المرجعية حيث ينبغي أن تتوحّد، ويضع حدًا لتعدّدٍ يفقد معناه حين لا يخدم الوحدة.
وليس في ذلك إقصاءٌ ولا انتصارٌ لطرف، بل تصحيحٌ يعيد الاعتبار لمقام الزعامة بوصفه مسؤولية لا تتكاثر بلا ضابط، ولا تُسند إلا لمن يرفع من شأن الطريقة علمًا وسلوكًا، ويصون هيبتها في محافلها، ويحفظ صفاء مسارها.
إن العودة إلى الأصل الذي جمع لم تعد ترفًا، بل ضرورة لحماية إرثٍ روحيّ من أن يتآكل من داخله. فالتردّد في مثل هذه اللحظات لا يحفظ التوازن، بل يطيل عمر الخلل، ويجعل معالجته أكثر كلفةً وتعقيدًا.
وحين تفقد الراية وحدتها، تفقد قدرتها على الهداية…
فالرايات لا تتعدّد لتقوى، بل لتتلاشى