لقاء الرئيس بالأحزاب ترتيب الأولويات في زمن الأزمات وبناء مسؤولية وطنية مشتركة / محمد لحظانه

في لحظات التحوّل، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على قراءة السياق بدقّة، وحسن توجيه جهدها، وبناء قدر من التوافق حول الخيارات الصعبة. وفي هذا الإطار، يكتسب لقاء فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، برؤساء الأحزاب السياسية، دلالته باعتباره خطوة في اتجاه إدارة واعية لمرحلة تتزايد فيها الضغوط وتتقلص فيها هوامش المناورة.

فالتقلبات التي تعرفها أسواق الطاقة، وما تفرضه من ارتفاع في كلفة المحروقات، لم تعد مجرد عامل خارجي، بل أصبحت محددًا مباشرًا للتوازنات الداخلية. وقد عكس اللقاء إدراكًا لهذه الحقيقة، من خلال مصارحة تُعيد توجيه النقاش نحو جوهر الإشكال: كيف يمكن التكيّف مع هذه التحولات بأقل كلفة ممكنة، ودون الإخلال بالاستقرار. في مثل هذه اللحظات، لا يكون التأخر في الفعل حيادًا، بل كلفة إضافية.

وفي هذا السياق، تبرز التبعية الطاقوية كعامل ضغط مركزي، يضاعف أثر الصدمات ويحدّ من مرونة القرار. ومن هنا، يصبح توجيه الموارد وإعادة ضبط أنماط الاستهلاك مدخلًا ضروريًا لتعزيز القدرة على الصمود، لا خيارًا مؤجلًا.

هذه المقاربة لا تكتمل دون انضباط في التسيير. ترشيد الإنفاق هنا ليس شعارًا، بل أداة عملية لضبط التوازنات. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ: في تحويل هذا التوجه إلى ممارسة يومية داخل الإدارة، وفي ضمان استمرارية المتابعة والتقييم، مستندًا إلى تنسيق حكومي فعّال يسرّع الاستجابة ويحدّ من تشتت الجهود.

لكن إدارة هذه المرحلة لا يمكن أن تظل شأنًا حكوميًا صرفًا. فهي بطبيعتها اختبار لقدرة النظام السياسي على العمل المشترك. وفي هذا الإطار، يبرز نهج يقوم على توسيع دائرة التشاور وإشراك مختلف القوى الحية كلما اقتضت الظروف ذلك، باعتبار أن القرار حين يُبنى على قاعدة أوسع، يكون أكثر صلابة في مواجهة الضغوط. وهنا تتأكد مسؤولية الأحزاب، موالاةً ومعارضةً، في مواكبة هذا التوجه بخطاب يوازن بين الصراحة والدعم، وبين النقد والمتابعة.

ويمتد هذا المنطق إلى الفاعلين الاقتصاديين، حيث يبرز دور رجال الأعمال كعنصر فاعل في تعزيز صمود الاقتصاد، من خلال الإسهام في استقرار السوق، والتكيّف مع متطلبات المرحلة بروح المسؤولية. ففي أوقات كهذه، لا يتعلق الأمر بتقاسم الأعباء فقط، بل بتقاسم المواقف أيضًا.

كما أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بمدى انخراط المجتمع. فالمواطن ليس متلقيًا للسياسات فحسب، بل طرف في فعاليتها: في سلوكه الاستهلاكي، وفي استعداده للتكيّف مع مقتضيات المرحلة.

ولعل ما يعزز الثقة في إمكانية تجاوز هذه الظروف، هو ما أبانت عنه التجربة القريبة خلال جائحة كوفيد-19. لم تكن تلك المرحلة خالية من الصعوبات، لكنها أظهرت أن المقاربة القائمة على الاستباق وتوجيه الموارد قادرة على الحد من آثار الصدمات. وهو نفس المنطق الذي تفرضه المرحلة الحالية. ومن هنا، فإن ما قد يُنظر إليه أحيانًا على أنه تعجيل في التعبئة، ليس سوى استجابة مبكرة لقراءة دقيقة لمسار الأحداث.

وانطلاقًا من هذا المنهج، تكتسب بعض القرارات معناها الكامل. فتأجيل مهرجان لعصابه لا يُقرأ كإجراء معزول، بل كترجمة لوعي يوجّه الجهد نحو ما هو أكثر إلحاحًا.

وبالمنطق ذاته، يُفهم التعاطي مع الحوار الوطني، باعتباره استحقاقًا مهمًا، غير أن موقعه ضمن سلم الأولويات في الظرف الراهن يجعله أقرب إلى التأجيل. فحين تتزاحم الضرورات، تتقدّم القضايا المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بينما يُعاد ترتيب غيرها ضمن أفق زمني أكثر ملاءمة. وليس في ذلك تقليل من أهمية الحوار، بل إدراك لضرورات المرحلة.

هنا يتضح المسار: تشخيص صريح، انضباط في التسيير، إشراك واسع، وتوجيه دقيق للجهد. غير أن قيمة هذا المسار ستظل مرتبطة بقدرته على إنتاج نتائج ملموسة.

وفي مثل هذه اللحظات، تُقاس القيادة بقدرتها على الفعل في الوقت المناسب، وعلى إشراك القوى المختلفة دون إبطاء القرار، وعلى توجيه الجهد حيث تكون الحاجة أكثر إلحاحًا.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى