محمد لحظانه معلقا على تدوينة الوزير السابق سيدي ولد أحمد ديه

كغيري، طالعت تدوينة الوزير السابق سيدي ولد أحمد ديه الأخيرة ، واستوقفتني دعوته إلى جعل محاربة الفساد في صدارة الأولويات الوطنية، وهي دعوة لا يختلف عاقلان في وجاهتها، ما دامت التنمية لا تستقيم مع استنزاف المال العام، ولا تُبنى المؤسسات على غير قواعد النزاهة والمساءلة.

غير أن الإنصاف يقتضي، قبل إطلاق الأحكام، أن نتذكر أن محاربة الفساد لم تكن يوماً خارج أجندة السلطات ؛ فقد شهدت السنوات الماضية جهوداً معتبرة على مستوى الترسانة القانونية، وبناء الأطر المؤسسية، وتعزيز أدوات الرقابة. ومع ذلك، فإن النتائج، رغم ما تحقق، لا تزال دون مستوى التطلعات بشهادة رأس النظام ، وهو ما يستدعي مزيداً من الجدية، لا مزيداً من المزايدات.

والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن بعض من يتحدثون اليوم عن الفساد، وخصوصاً ممن سبق لهم أن تولوا مسؤوليات عليا، يتحدثون وكأن القضية اكتُشفت بالأمس، أو كأنها لم تكن حاضرة حين كانت بين أيديهم مفاتيح القرار، وأدوات التنفيذ، وفرص الإصلاح.

فهل كانت محاربة الفساد يومها أقل إلحاحاً؟ أم أن بعض القضايا لا تستعيد حرارتها إلا بعد مغادرة مواقع المسؤولية؟

ليس المقصود التقليل من أهمية الدعوة إلى الإصلاح، وإنما التذكير بأن محاربة الفساد لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة التدوينات، بل بما يُنجز حين تكون المسؤولية تكليفاً، والقرار أمانة، والفرصة متاحة.

ومن حق الرأي العام أن يسأل، لا عن ما يُقال اليوم فحسب، بل أيضاً عما أُنجز بالأمس، وما تعطل، وما كان بالإمكان فعله ولم يُفعل.

فالإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى ذاكرة انتقائية؛ يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بما تحقق، والصدق في تقييم ما أخفق، والقدرة على مساءلة الحاضر دون إعفاء الماضي.

ولعل أولى خطوات محاربة الفساد أن نبدأ، جميعاً، من محاربة التناقض بين ما نطالب به اليوم وما كنا نفعله بالأمس.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى