ما ذا تنظرون من مجتمع يشجع الكذب والزور والفساد والإقصاء إلا أن ينتج لنا ضحايا الاغتصاب ..والمغتصبين

سمعتُ في تسجيل مرئي صباح اليوم أن البُنيّة، ضحية جريمة الاغتصاب البشعة، قد خرجت من المستشفى، ولا تزال بعض الأجهزة الطبية موصولة بجسدها الصغير البريء. ولم تذكر المتحدثة، التي يبدو أنها من أقاربها، ما إذا كانت الطفلة ستستفيد من رعاية طبية خاصة في المنزل، أو في مركز متخصص يتولى متابعة علاجها الجسدي والنفسي
علينا ألا ننسى أن هذه الطفلة تعرضت لجريمة مروعة قد تترك آثارًا عميقة في نفسها وجسدها طيلة حياتها، إن لم نبادر إلى توفير العلاج والرعاية المناسبين لها. وحسبنا الله ونعم الوكيل
ولذلك، فهي تحتاج إلى متابعة دقيقة من أطباء مختصين في طب الأطفال، وإلى رعاية نفسية متخصصة في التعامل مع الأطفال ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية. وإذا كانت الرعاية المتخصصة التي تحتاج إليها غير متوفرة في بلادنا، واعتقدها كذلك، فلا ينبغي التردد في نقلها إلى مركز طبي متخصص في الخارج، في فرنسا مثلًا أو في أي بلد تتوفر فيه الخبرة المناسبة، حتى تتلقى العلاج اللازم للأضرار الجسدية التي لحقت بها، إلى جانب الرعاية النفسية الضرورية لمساعدتها، قدر المستطاع، على استعادة حياتها الطبيعية ومواصلة نموها ودراستها في أفضل الظروف الممكنة
وإن صحّ ما سمعته من أن إحدى المؤسسات المالية قد تبرعت لأسرتها بمبلغ من المال، فربما يكون من الأجدى أن تتكفل الجهات المعنية، أو المؤسسات الراغبة في مساعدتها، بكامل تكاليف علاجها ونقلها إلى مركز طبي متخصص، إذا أوصى الأطباء بذلك
ومن جهة أخرى، ينبغي ألا تحجب عنا فداحة ما تعرضت له هذه الطفلة البريئة- ومن حقنا أن ننشغل بها أولًا- ضرورة التفكير أيضًا في الأسباب والظروف التي أوصلت الجاني، الذي اعترف بجريمته البشعة، إلى ارتكاب فعل بهذه الوحشية
فكروا فيه، وفي أسرته، وفي البيئة التي نشأ فيها. كان يمكن أن يكون أحد أبنائنا أو أقاربنا؛ فنحن جميعًا لسنا بمنأى عن آثار الفقر والإقصاء والتفكك والفساد الاجتماعي والأخلاقي حين تتراكم وتتوارثها الأجيال
وهذا بالطبع لا يبرر جريمته، ولا ينتقص بأي حال من حق الضحية في العدالة والإنصاف والحماية
ومهما بلغت بشاعة الجريمة، فإن الجاني يظل إنسانًا مسؤولًا عن أفعاله. وحتى إن كان قاصرًا، فإن هناك إجراءات وضمانات قانونية خاصة بالقُصّر ينبغي احترامها. ومن حقه أن يخضع لمحاكمة عادلة، وأن ينال ما يقرره القانون من عقوبة أو تدابير، وأن تتوفر له خلال فترة احتجازه الرعاية النفسية اللازمة، إلى جانب التأهيل الديني والتربوي والتكوين المهني، حتى لا تكون المؤسسة العقابية مجرد مكان للعقاب، وإنما أيضًا فضاءً للإصلاح وإعادة التأهيل
أما مدة العقوبة ونوعها، فذلك أمر يحدده القضاء وفق القانون، وبما يتناسب مع خطورة الجريمة وسنّ مرتكبها وظروفها. غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة وجود فراغات وثغرات في ترسانتنا القانونية الحالية، ولا سيما في ما يتعلق بالحماية من العنف والاعتداءات الجنسية، وهو ما يستوجب الإسراع في استكمال الإطار التشريعي وسدّ هذه الثغرات، بما يضمن حماية أكثر فاعلية للنساء والأطفال والفتيات، وتشديد العقوبات الرادعة على مرتكبي هذه الجرائم، مع احترام الضمانات القانونية والمحاكمة العادلة
وقد يكون هذا الإنسان وُلد لأم هي الأخرى ضحية لظروف قاسية، وربما نشأ في بيئة مطبوعة بالإقصاء والهشاشة والاضطراب. وهذه الظروف لا تعفيه طبعًا من المسؤولية، لكنها تفرض علينا أن نسأل أنفسنا بجدية
كم من طفل نتركه اليوم للفقر والإقصاء والعنف والجهل، ثم نفاجأ غدًا حين يتحول بعضهم إلى مصدر خطر على المجتمع؟
إن حماية أطفالنا لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات: بالتربية والتعليم، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والإقصاء، وحماية الأسرة، والعناية بالصحة النفسية، وتطبيق القانون بلا تهاون
فالعدالة الحقيقية تحمي الضحية، وتنصفها، وتحاسب الجاني، وتحاول في الوقت نفسه أن تمنع ولادة ضحية جديدة… أو جانٍ جديد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم سلّمنا، وسلِّم منا