الإعلامي سيدأحمد عبدي يكتب: المختار ولد بسيف…حين تتغير الحقائب وتبقى بصمة الرجال

ليست المناصب، في جوهرها، سوى محطات عابرة في مسيرة الرجال، أما ما يبقى منها فهو الأثر، وما ترسخه التجارب في ذاكرة الناس، وما تتركه القرارات من بصمات في مسار الدولة وحياة المواطنين. فكم من اسم مرّ على أبواب المسؤولية دون أن يترك وراءه ما يستحق الذكر، وكم من مسؤول جعل من موقعه فرصة للعمل، ومن صلاحياته أمانة، ومن ثقة الدولة به عهدًا يسعى إلى الوفاء به. وبين هذا وذاك، تظل الأيام وحدها صاحبة الكلمة الفصل في تقييم التجارب والتمييز بين من شغل المنصب ومن استحق مسؤولياته.

وفي هذا السياق، يأتي تعيين السيد المختار ولد بسيف وزيرًا للداخلية، بعد تجربة سابقة على رأس وزارة الصيد والاقتصاد البحري، ليفتح صفحة جديدة في مساره الحكومي، ويضعه أمام مسؤوليات تختلف في طبيعتها، وتتسع في أبعادها، وتزداد حساسية بحكم ارتباطها المباشر بأمن البلاد واستقرارها، وفعالية إدارتها، وعلاقة مؤسساتها بالمواطنين.

لقد سبق للمختار ولد بسيف أن خاض تجربة التسيير في قطاع الصيد والاقتصاد البحري، وهي تجربة أشاد عدد من المتابعين خلالها بعمله وإخلاصه في أداء مهامه. ومهما اختلفت زوايا النظر إلى التجارب الحكومية، فإن الإشادة حين تصدر عن متابعين لمسار المسؤول تظل مؤشرًا يستحق التوقف عنده، دون أن تكون حكمًا نهائيًا يغني عن التقييم الموضوعي أو يعفي من اختبار المحطات المقبلة. فالعمل العام لا يُقاس بما يُقال عن صاحبه فحسب، وإنما بما ينجزه، وبما يضيفه إلى المؤسسة التي يتولى إدارتها، وبما يتركه من أثر يمكن للمواطن أن يلمسه في واقعه اليومي.

ولعل أجمل ما في المسارات الإدارية أنها تمنح أصحابها فرصة متجددة لإثبات الذات، وتضعهم في كل محطة أمام امتحان مختلف. فليس النجاح في قطاع ضمانًا تلقائيًا للنجاح في قطاع آخر، كما أن اختلاف الملفات لا يلغي قيمة الخبرة المتراكمة، ولا يقلل من أهمية الجدية والإخلاص وحسن التدبير. إنما العبرة بقدرة المسؤول على فهم طبيعة المهمة الجديدة، واستيعاب تحدياتها، والتعامل معها بعقل منفتح، ورؤية واضحة، وإرادة تجعل من خدمة الدولة والمواطن بوصلة للعمل والقرار.
وإذا كان قطاع الصيد والاقتصاد البحري يرتبط بملفات الإنتاج والاستثمار واستغلال الثروات البحرية وتنظيم النشاط الاقتصادي، فإن وزارة الداخلية تقف عند مفترق بالغ الأهمية، حيث تتلاقى اعتبارات الأمن والاستقرار، والإدارة الإقليمية، وتطوير الخدمات، وتطبيق القانون، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. إنها وزارة لا تُختبر أهميتها في المكاتب وحدها، ولا تُقاس فعالية أدائها بالقرارات المكتوبة فحسب، بل بقدرتها على جعل الإدارة أقرب إلى الناس، وأكثر استجابة لانشغالاتهم، وأشد التزامًا بالقانون والإنصاف.

وليس خافيًا أن المرحلة الراهنة تفرض على مختلف قطاعات الدولة مضاعفة الجهود، ومواكبة تطلعات المواطنين، والبحث عن أساليب أكثر نجاعة في التسيير والاستجابة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قيمة المسؤول في قدرته على تحويل الرؤية إلى برنامج عمل، والبرنامج إلى نتائج، والنتائج إلى أثر ملموس في حياة الناس. فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يعنيه كثيرًا عدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا حجم التصريحات التي أُطلقت، بقدر ما تعنيه إدارة يجد فيها الإنصاف، وخدمة يحصل عليها دون تعقيد، ومؤسسة تستجيب لانشغالاته بجدية واحترام.

ومن هنا، فإن تعيين المختار ولد بسيف على رأس وزارة الداخلية يفتح أمامه فرصة جديدة لتوظيف خبرته السابقة في سياق مختلف، وإثبات قدرته على التعامل مع ملفات أكثر تشعبًا وحساسية. كما يضعه أمام مسؤولية الحفاظ على الثقة التي رافقت تعيينه، والعمل على تعزيزها من خلال الأداء والإنجاز. فالإشادة التي يحظى بها المسؤول في مرحلة من مسيرته ينبغي أن تكون حافزًا لمزيد من العطاء، لا وسادة يستريح عليها؛ والتجربة الناجحة، إن ثبت أثرها، لا ينبغي أن تتحول إلى ذكرى تُستعاد، بل إلى رصيد يُستثمر في مواجهة تحديات جديدة.

السيد المختار ولد بسيف، أمامه اليوم صفحة جديدة، عنوانها وزارة الداخلية، ومتنها مسؤوليات الدولة وتطلعات المواطنين، وخاتمتها التي لا يمكن استباقها ستكتبها نتائج العمل وحدها. وهي فرصة ليؤكد من خلالها أن الخبرة يمكن أن تنتقل من قطاع إلى آخر، وأن الإخلاص الذي أشاد به بعض المتابعين في تجربته السابقة يمكن أن يجد امتداده في أداء جديد، أكثر التصاقًا بانتظارات المواطن، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات التي تفرضها طبيعة المرحلة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى