غزة أمام امتحان التاريخ: جوع الإنسان وصمت الأمة / محمد ولد لحظانه

كأنّ التاريخ يعيد رسم صفحاته بأقسى طريقة ممكنة، لكن هذه المرّة ليس بفعل الجفاف أو الكوارث الطبيعية، بل بيد الإنسان نفسه. في غزة تُكتب أول مجاعة يعرفها الوجدان البشري بوصفها صناعة متعمدة، تُدار ببرودة أعصاب وبتواطؤ الصمت، حتى غدا الجوع سلاحًا، والخبز حلمًا بعيد المنال.
الجرح لا يقتصر على المشهد ذاته، بل يتعداه إلى الموقف المتفرج. أنظمة عربية وإسلامية تتابع من بعيد وكأنها أمام مسرحية عابرة، لا تستحق أكثر من بيان مقتضب أو اجتماع مؤجل. بل صارت المجاعة نفسها مناسبة لعقد قمم ومؤتمرات، تتبدل خلالها وجهات السفر، وتتراكم فواتير الفنادق وبدلات الاجتماعات التي تثقل الميزانيات، فيما الواقع على حاله كأن شيئًا لم يكن. أليس من الأجدى أن تتحوّل هذه المصاريف الشكلية إلى ما يسد رمق جائع، أو ما ينفع شعوبًا تعاني الفقر قبل أن تُعقد باسمها مؤتمرات لا تجلب سوى الصدى؟
وفي لحظة كهذه، يتضح أن غزة لا تحتاج اليوم إلى بيانات الحكام العرب، ولا إلى قمم ومؤتمرات، بل إلى نخوة الخليفة العباسي المعتصم، تلك الروح التي تجعل من العدالة والكرامة همًا أولًا قبل أي حساب آخر.
الأسئلة التي يفرضها الواقع لا تبحث عن إجابات، بل تكشف عن فراغ أخلاقي هائل: متى أصبح الجوع عقوبة؟ ومتى صار موت الأطفال مشهدًا لا يهز الضمائر؟ وكيف أصبح الصمت أداة رسمية أمام أكبر امتحان للإنسانية في عصرنا؟
هكذا نكتشف أن المجاعة لم تكن قدرًا، بل اختيارًا. وأن العجز لم يكن مصيرًا، بل قرارًا. وحين يتساوى الجوع بالصمت، ندرك أننا أمام لحظة فارقة تختبر ضمائر الأمة قبل أن تختبر قدرة البشر على الصمود. وفي لحظات كهذه، يتضح أن امتحان التاريخ لا يُقاس بما كُتب في صفحاته، بل بما كُتم في ضمائرنا.
بقلم: محمد لحظانه