إعادة تدوير الوجوه وحدود التجديد الحزبي / محمد. لحظانه

في اللحظات السياسية التي تمر بها الدول بتحديات متسارعة وتحولات متشابكة، تصبح الأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة أدوارها ووظائفها بعيدًا عن الأشكال التقليدية التي لم تعد قادرة وحدها على مواكبة المرحلة. ومن هذا المنطلق، تبدو اجتماعات منسقيات حزب الإنصاف على مستوى مختلف ولايات الوطن فرصة مهمة لإعادة التفكير في طبيعة العمل الحزبي، وفي الدور الذي ينبغي أن يؤديه الحزب خلال المرحلة القادمة.
فالعمل الحزبي اليوم لم يعد مجرد حضور تنظيمي أو مواكبة موسمية للأحداث، بل أصبح مرتبطًا بقدرته على التأثير في المجتمع، وتأطير النقاش العمومي، وتعزيز العلاقة اليومية بالمواطن. فالأحزاب القوية لا تُقاس فقط بعدد أنشطتها أو اتساع هياكلها، وإنما بمدى قدرتها على تحويل القرب من الناس إلى فعل سياسي منظم ومستمر يشرح الخيارات الوطنية، ويواكب التحولات، ويمنح المواطنين شعورًا بأن هناك من ينقل انشغالاتهم ويعبر عنها داخل الفضاء السياسي.
ولعل ما تتعرض له البلاد في هذه المرحلة من حملات تشويه، ومحاولات لبث التشكيك، والسعي إلى إضعاف التماسك الاجتماعي وإثارة مناخ من البلبلة والانقسام، يجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى وجود حزب قوي وفاعل يمتلك خطابًا سياسيًا متزنًا، قادرًا على التوضيح والتأطير والدفاع المسؤول عن الخيارات الوطنية بعيدًا عن الانفعال أو الاصطفاف الضيق. فمثل هذه اللحظات لا يكفي فيها الصمت التنظيمي أو الحضور الموسمي، بل تتطلب ذراعًا سياسيًا حقيقيًا يساهم في حماية منسوب الثقة داخل المجتمع، ويعزز روح الاستقرار والتماسك الوطني.
ومن هنا، فإن الدور المنتظر من الحزب لا ينبغي أن يبقى محصورًا في إعادة تدوير الوجوه والمناصب، أو في تحويل الأنشطة إلى فضاءات للحضور الشكلي وإثبات الوجود. فالإفراط في إعادة تدوير الوجوه قد يجعل المشهد يبدو وكأنه لم يغادر كثيرًا ملامح المراحل السابقة، حتى ليخيّل لمن ابتعد طويلًا عن السياسة ثم عاد إليها أنه ما يزال أمام الأسماء ذاتها التي احتلت واجهة العمل الحزبي منذ عقود. وهو ما يطرح الحاجة إلى ضخ دماء جديدة، وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات القادرة على مواكبة تحولات المرحلة. فالحياة السياسية لا تُبنى بالصورة وحدها، وإنما بالفعل الميداني، وبالقدرة على استقطاب الطاقات والكفاءات، وتحويل الهياكل الحزبية إلى أدوات تواصل وتأطير وتعبئة حقيقية قريبة من المجتمع وقضاياه اليومية.
كما أن من الطبيعي أن يستفيد الحزب من الثقة التي ولدها برنامج رئيس الجمهورية وما حققه من حضور لدى المواطنين، غير أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى حالة من الاتكالية السياسية. فالحزب الحقيقي هو الذي يضيف إلى المشروع الوطني قوة تنظيمية وشعبية خاصة به، ويستطيع أن يكون أداة فاعلة في التعبئة والاستقطاب والإقناع، لا أن يظل معتمدًا فقط على الزخم الذي تصنعه البرامج والسياسات العمومية.
وقد يرى البعض أن ما يعتري الحزب من ضعف يعود إلى عدم اعتباره مرجعية حقيقية لدى الجهاز التنفيذي في بعض القرارات والتوجهات، غير أن من المهم أيضًا الاعتراف بأن الحضور داخل دوائر التأثير لا يُمنح بشكل تلقائي، بل يُفرض بفاعلية الأداء، وبالقدرة على المبادرة، وبما يقدمه الحزب من إضافة سياسية وتنظيمية حقيقية. فحين يكون الحزب حاضرًا في الميدان، قريبًا من المواطنين، وقادرًا على قراءة التحولات ومواكبتها، يصبح تأثيره داخل المشهد العام أمرًا طبيعيًا يصعب تجاوزه.
إن نجاح اجتماعات المنسقيات لن يُقاس بعدد اللقاءات أو حجم الحضور، بل بقدرتها على تأسيس مرحلة جديدة من العمل الحزبي تقوم على التقييم الصريح، والإنصات للملاحظات، والابتعاد عن المجاملة، وربط المسؤولية بالفعل والنتائج. فالأحزاب التي تملك شجاعة مراجعة الذات هي وحدها القادرة على التطور والاستمرار وصناعة الفارق.
فالرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في أن يبقى الحزب حاضرًا في المشهد السياسي، بل في أن يصبح حاضرًا في وعي الناس وثقتهم اليومية. وحين يتحقق ذلك، يتحول الحزب من مجرد إطار تنظيمي إلى قوة سياسية فاعلة تسهم في صناعة التحول الوطني، وترسيخ الاستقرار، ومواجهة محاولات التشويش والانقسام بروح مسؤولة ووعي وطني جامع.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستنجح هذه الاجتماعات في فتح مرحلة جديدة من العمل الحزبي تقوم على الفاعلية والقرب من المواطن والتأثير الحقيقي في المشهد العام، أم أنها ستظل مجرد محطة تنظيمية عابرة لا يتجاوز أثرها حدود اللحظة؟
ذلك ما ستكشفه المرحلة القادمة، وما سيظهر من خلال طبيعة الأداء الحزبي، ومدى القدرة على الانتقال من الحضور الشكلي إلى الفعل السياسي المؤثر. فالأحزاب لا تُختبر بما تقوله في القاعات، بل بما تتركه من أثر في وعي المجتمع وحركة الواقع.
محمد لحظانه