هذا ما كتبه محمد ولد لحظانه حول البيان الأخير المتعلق بالحوار والفساد

تابعنا ما ورد في البيان الصادر عن بعض نواب المعارضة حول مسار الحوار الوطني وموقفهم من قضايا الفساد، وهي قضايا كبرى تهمّ كل الموريتانيين دون استثناء، وتستحق نقاشًا مسؤولًا يعلو فوق الحسابات الضيقة.
ولا شكّ أن لا أحد يشكّك في وطنية السادة النواب الموقّرين ولا في حسن نيتهم، فاختلاف التقدير لا يعني بالضرورة اختلاف المقاصد، ولا يُنقص من حرص الجميع على المصلحة العامة.

غير أنّ الإنصاف يقتضي، إلى جانب الاعتراف بحسن النية، النظر بعمق في طبيعة المرحلة وما تفرضه من تروٍّ في إصدار الأحكام. فالحوار الوطني القائم اليوم لا يمكن اختزاله في خلاصات متسرّعة، لأنه لم يُغلق بابه في وجه أحد، ولم يُشهر في وجه أي طرف شرطًا أو قيدًا، بل ظلّ مفتوحًا أمام كل القوى الوطنية الراغبة في المشاركة، على قاعدة أن لا حدود للنقاش حين يكون الهدف هو مصلحة الوطن.

ومن هنا، يصبح من المهم التذكير بأن الدعوة إلى الحوار لم تكن استجابةً لضغطٍ سياسي أو ظرفٍ استثنائي، بل جاءت بمبادرة من النظام نفسه، في وقتٍ لم تكن فيه الأوضاع تفرض حوارًا عاجلًا. وهذه المبادرة في ذاتها تحمل دلالة واضحة على حسن النية وصدق التوجّه نحو التفاهم الوطني، إذ من يدعو إلى الحوار طوعًا لا اضطرارًا، إنما يؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يقوم على التشاور والانفتاح لا على الإملاء والتصعيد.

وإذا كان من الطبيعي أن تثار تساؤلات حول الضمانات وآليات التنفيذ، فإنّ هذه المسائل من صميم ما يجب أن يُطرح داخل جلسات الحوار نفسها، لا خارجها. فالنقاش البنّاء لا يُدار عبر البيانات ولا يُحسم في المنابر، بل في أجواء من المسؤولية والثقة، حيث تتلاقى الإرادات الصادقة على أرضية مشتركة.

وعلى هذا الأساس، فإن ما سُمِّي بـ”المرحلة الأولى” من الحوار لا يمثل نهاية المسار، بل خطوة في طريق أطول وأوسع، هدفه بناء توافق وطني راسخ، لا تسجيل المواقف أو تبادل الاتهامات.

وفي السياق نفسه، يبرز ملف الفساد كاختبار حقيقي لجدّية الدولة في الإصلاح. فإحالة تقرير محكمة الحسابات إلى الحكومة ليست خطوة شكلية كما يروّج البعض، بل هي مؤشر واضح على أن الرقابة بدأت تتحول من نصوص إلى ممارسة، ومن شعارات إلى مؤسسات. إنها خطوة تعبّر عن إرادة سياسية جادّة ومناخ جديد من الثقة في المؤسسات، حيث تُمارس الشفافية باعتبارها خيارًا وطنيًا لا مجرد مطلب ظرفي.

ولذلك، فإن الدولة اليوم لا تدافع عن أحد، ولا تتستر على أحد، بل تُفعّل مؤسساتها الرقابية وتُحيل تقاريرها إلى الجهات المختصة، في احترامٍ تامٍّ للفصل بين السلطات وسيادة القانون. وهذه في حد ذاتها نقلة نوعية في الممارسة العامة، ينبغي أن تُقرأ بروح المسؤولية لا بمنطق التشكيك.

إنّ الصورة الكاملة للمشهد الوطني لا تكتمل إلا من خلال هذا التلازم بين حوار مفتوح بلا إقصاء وإصلاح مؤسسي لا يعرف الانتقائية. فعندما تُفتح أبواب النقاش للجميع بلا شروط، وتُحال تقارير الرقابة إلى المتابعة والتنفيذ، يكون النظام قد اختار أن يتحدث بلغة الفعل لا الخطابة، وبمنطق الإصلاح لا التبرير.

وهنا، يبدو واضحًا أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد حراكٍ سياسي عابر، بل إرادة إصلاحٍ تتقدّم بخطى واثقة، في مناخ من حسن النية والجدية، وبناءُ ثقةٍ يتطلّب الصبر أكثر من التصعيد.
ولعلّ إثارة المخاوف المسبقة حول مخرجات الحوار أو جدّية مكافحة الفساد، وإن كانت نابعة من حرصٍ مشروع، كان الأولى أن تأتي بعد اكتمال المسار واتضاح نتائجه العملية، لا قبلها، حتى يكون التقييم مبنيًا على وقائع لا على افتراضات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى