محمد فال ولد طالبن بكتب: حين يفقد المنصب معناه…

ليس أسوأ ما يمكن أن يصيب مشروع الدولة من أن تُستبدل معايير الكفاءة بغيرها، وأن يتحول التعيين من أداة للإصلاح إلى بابٍ للمجاملة والمحاباة. فالتجارب التي تُبنى على الاختيار الخطأ لا تُنتج سوى الخيبة، ولو رفعت في ظاهرها شعارات التغيير والإنصاف.

لقد كنا نرجو أن يكون الإصلاح، في جوهره، ثورةً هادئةً على أشكال الفساد التي تسكن التفاصيل؛ لأنّ الفساد لا يبدأ من اختلاس المال العام فحسب، بل من اختلاس المعنى، حين يُختزل المنصب العام في الانتماء الجهوي أو الشرائحي بدل أن يُبنى على الكفاءة والخبرة والعطاء.

إنّ أخطر ما يمكن أن يواجه أي نظام يؤمن بالإصلاح هو أن تتسرّب إليه هذه الممارسات من حيث لا يدري، فتتحول الثقة إلى ولاءٍ ضيّق، ويتحوّل الإصلاح إلى غطاءٍ لتدوير ذات الوجوه بأسماءٍ جديدة. عندها يبهت الأمل، وتضيع البوصلة بين من يعمل للوطن، ومن يعمل باسم الوطن.

ولأنّ مشروع الدولة أكبر من أي ثقةٍ شخصية أو تقديرٍ ظرفي، فإنّ الحزم في ضبط بوصلته يظل مسؤولية القمة قبل القاعدة؛ فالإصلاح الحقيقي لا يحتمل التفويض الكامل، ولا يقبل أن يُختزل في اجتهاداتٍ قد تُلبِس الولاء ثوب الكفاءة.

إن الدولة التي نريدها، والتي وعدت بالقطيعة مع الماضي، لا يُفترض أن تسمح بأن يصبح المنصب غنيمةً أو تركةً اجتماعية، بل مسؤوليةً وطنيةً لا تُمنح إلا لمن يستحقها. فبغير ذلك، لا يمكن أن ننتظر أداءً، ولا مساءلة، ولا حتى إيمانًا حقيقيًا بفكرة الدولة ذاتها

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى