الدولة لا تتقدم إلا بجهود من يعملون بصمت لا بضجيج المعرقلين/ محمد ولد لحظانه

لا يحتاج المتابع إلى كثير عناء ليدرك أن بعض المسارات، كلما اقتربت من إصلاحٍ فعلي، ازدادت حولها الحملات وتضاعف الضجيج. فالأصوات التي ترتفع فجأة ليست اعتراضًا على أشخاصٍ بقدر ما هي مقاومة لخطوات بدأت تلامس توازناتٍ ظلّتالدو لسنوات خارج أي محاولة جادّة للضبط أو إعادة البناء. ومن يقرأ هذه السطور بتمعّن يدرك أن المقصود ليس الدفاع عن فردٍ بعينه، بل الإشارة — من باب المسؤولية العامة — إلى أهمية الإنجازات التي يحتاج البلد إلى مهندسيها أكثر مما يحتاج إلى سجالات تعيق مسارها.

ولهذا، حين تتوجّه السهام نحو قطاعٍ هو في صميم الدولة لا في هامشها، فإن ذلك لا يكشف نقصًا في العمل بقدر ما يكشف اتساع أثره. فالهجوم الحاد لا يطال من يقف في مكانه، بل من يغيّر قواعد لعبةٍ طالما وُضعت على مقاس المستفيدين من الفوضى؛ من يحرّك ملفاتٍ نامت طويلًا ويعيد ترتيب المشهد بصمتٍ لا ينسجم مع أذواق أولئك الذين اعتادوا إدارة الشأن العام من خلف ستار الضوضاء. وهذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن الإصلاح ضرورة وطنية لا مدخلًا لمديحٍ شخصي؛ فالمهم هو الفعل لا الفاعل، والمسار لا الأسماء.

ولعلّ من بين ما أثار هذا الغبار الجديد تلك الهندسة الهادئة لقانون الأحزاب؛ خطوة أعادت السياسة إلى مقاييسها الطبيعية، ووضعتها على سكة الانضباط بعد سنواتٍ من الاختلال. ثم جاءت تسوية وضعية الأجانب بصرامةٍ محسوبة، لتؤكد أن من يتولّى هذا النوع من الملفات يشتغل بمنطق واضح: كل شيء يجب أن يستقيم وفق القانون، وكل إجراء يُتخذ ليس إلا ترجمة لواجب الوظيفة وروح الدولة. وهنا أيضًا، فإن الإشارة إلى هذه الإجراءات ليست دفاعًا عن جهة، بل تثمينًا لنوعية العمل الذي تحتاجه الدولة حين يكون الإصلاح هدفًا لا شعارًا.

هذه الإجراءات — وغيرها — لم تكن مجرد ترتيبات إدارية تُنجز في المكاتب، بل رسائل إصلاحية غير صاخبة. ورسائل الإصلاح حين تكون جادّة لا تُقلق إلا أولئك الذين اعتادوا أن تبقى بعض الأبواب مواربة على احتمالات غير قانونية، أو مفتوحة أمام ممارساتٍ لا يجرؤون على الدفاع عنها علنًا، لكنهم يتشبثون بها سرًا لأنها مصدر امتيازاتهم.

ولهذا، فإن الحملات التي تظهر بين حين وآخر ليست دليلًا على فشل الطريق، بل على صوابه. فالطريق الخاطئ لا يحتاج إلى من يحاربه… وحده الطريق الصحيح يزعج من كان على ضفافه ينتفع، لأن خطوات الإصلاح تضيق على من اعتاد الاتساع خارج القانون. ومن هنا تأتي ضرورة التذكير بما يمثّله هذا المسار من قيمة وطنية، بعيدًا عن الأشخاص، قريبًا من معنى الدولة التي لا تتقدم إلا بجهود من يعملون بصمت… لا بضجيج من يعرقلون

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى