حين تستقبلُ شنقيطُ أحدَ أبنائها الكبار… ولد الشيخ سيديا يعودُ فتزهرُ المحافلُ بالوفاء / سيد أحمد عبدي

ما إن أطلَّ الفخامة ولد الشيخ سيديا على أرض الوطن، حتى بدا المشهد كأن موريتانيا قد استيقظت على موعدٍ مع واحدٍ من أبنائها الذين تركوا في سجلها صفحاتٍ من العلم والعمل والوفاء؛ فخرجت الجموع تستقبله، لا استقبالَ العابرين، وإنما استقبالَ الرجال الذين صنعت لهم الأيام مكانةً في القلوب، وأودعت سيرتهم في ذاكرة الناس معنى من معاني العرفان والامتنان.

كان الاستقبال الحاشد الذي أحاط بقدومه أشبه برسالةٍ شعبيةٍ مكتوبةٍ بلغة لا تحتاج إلى حبر: أن لهذا الرجل في وجدان الموريتانيين رصيدًا من المحبة والتقدير، وأن السنوات التي قضاها في ميادين العلم والعمل وخدمة الوطن لم تمضِ كغيمٍ عابر، بل تركت أثرًا يشبه النقش في الصخر، لا تمحوه عواصف الأيام ولا تبدله تقلبات السياسة.

فموريتانيا، التي عرفت رجالها بالعلم، وميزت بينهم بصدق العطاء، لا تفتح أبوابها لكل قادمٍ بالقدر نفسه؛ وإنما تعرف لأهل الفضل فضلهم، ولأهل العلم مقامهم، ولأهل الخدمة الوطنية حقهم. ومن هنا يمكن قراءة ذلك الحضور الشعبي الكبير بوصفه تعبيرًا عن وفاءٍ متراكم، واحتفاءً برجلٍ اجتمع له من أسباب المكانة ما قلّ أن يجتمع لغيره: علمٌ يُجلُّه أهله، وحضورٌ سياسي واسع، وتجربةٌ في خدمة الشأن العام، وصلاتٌ وثيقةٌ بمشروع الدولة وخدمة فخامة رئيس الجمهورية.

ولعل أجمل ما في شخصية ولد الشيخ سيديا أن العلم عنده ليس ثوبًا يُرتدى في المجالس، ولا لقبًا يُعلَّق على الأسماء، بل مسؤوليةٌ تُحمل، وأمانةٌ تُؤدّى، وبصيرةٌ تهدي صاحبها إلى مواضع القول والعمل. فهو ابنُ مدرسةٍ شنقيطيةٍ عريقةٍ جعلت من العلم نسبًا آخر، ومن المعرفة ميراثًا تتناقله الأجيال، حتى صار العالم في هذه الأرض يُقاس بما يتركه من أثرٍ في العقول والقلوب، لا بما يحمله من ألقاب.

ثم إن حضوره السياسي لم يكن طارئًا على المشهد، فقد أصبح قائدًا لأحد أكبر الأحلاف السياسية في البلاد، وهو موقعٌ لا تمنحه كثرة الأنصار وحدها، وإنما تصنعه القدرة على جمع الكلمة، وتأليف القلوب، وإدارة الاختلاف، وتحويل الطاقات المتفرقة إلى قوةٍ متماسكةٍ تخدم الوطن وتدعم استقراره.

ولذلك فإن علاقته بمشروع فخامة رئيس الجمهورية لا تُقرأ، في نظر أنصاره ومحبيه، باعتبارها مجرد اصطفاف سياسي عابر، بل باعتبارها موقفًا من مسارٍ اختار أن يسهم فيه بما يملك من مكانةٍ اجتماعية وعلمية وسياسية، واضعًا تجربته وشبكة علاقاته في خدمة ما يراه مصلحةً للوطن ودعمًا لقيادته.

وهكذا جاء ولد الشيخ سيديا، فجاءت معه سيرةٌ من العلم، وتجربةٌ من العمل، وحضورٌ من السياسة، وذاكرةٌ من المواقف. واستقبله الناس استقبالَ من يرون فيه صورةً من صور الوفاء لموريتانيا، وأحد الوجوه التي جمعت بين إرث العلم وحضور السياسة، وبين مكانة العالم ومسؤولية رجل الشأن العام.

ومن هنا، فإن قدوم ولد الشيخ سيديا لم يكن مجرد عودة رجلٍ إلى وطنه؛ كان مشهدًا تختصر فيه الجموع معنى الوفاء، وتختلط فيه حرارة الاستقبال بذاكرة العطاء، وتلتقي فيه هيبة العالم بحضور رجل السياسة.

فمرحبًا بمن عاد إلى أرضه، وبين أهله، محمولًا على أكتاف المحبة، ومحاطًا بوفاءٍ لا تصنعه الخطب، وإنما تصنعه السنوات؛ ومرحبًا بعالمٍ يحمل ميراث المعرفة، وسياسيٍّ يحمل همَّ الجماعة، ورجلٍ اختار أن يجعل حضوره في المشهد العام امتدادًا لما يؤمن به من خدمة الوطن ودعم مساره وقيادته.

هكذا تستقبل موريتانيا رجالها الذين ترى فيهم بعضًا من صورتها: علمًا متجذرًا في تربة شنقيط، وحضورًا موصولًا بالناس، وإرادةً تتطلع إلى أن يكون الوطن دائمًا فوق الحسابات، وأن يبقى الوفاء أبلغ من كل خطاب.

الصحفي سيدأحمد عبدي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى