حننا رجل دولة تتجاوز مكانته حدود المنصب / الشيخ محمد خي

ثمة رجال لا تختزلهم المناصب، ولا تقاس مكانتهم بعدد الوظائف التي شغلوها، ولا تنتهي أدوارهم بانتهاء مهمة أو مغادرة موقع.

أولئك هم رجال الدولة الذين تصنعهم سنوات الخدمة، وتصقلهم التجربة، وتمنحهم المسؤوليات المتعاقبة رصيدا من المعرفة والخبرة يجعل حضورهم أوسع من حدود الوظيفة التي يتولونها.

ومن هذا المنطلق، فإن مغادرة الفريق حننا ولد سيدي منصب وزير الدفاع ينبغي أن لا تقرأ باعتبارها نهاية مسيرة، أو اختزالا لرجل دولة في آخر منصب شغله؛ فمسيرته أقدم من الحقيبة الوزارية، ومكانته أوسع من حدودها.

لقد أمضى حننا ولد سيدي جانبا مهما من مسيرته في المؤسسة العسكرية، حيث راكم تجربة في مجالات الدفاع والأمن، وتدرج في مواقع ومسؤوليات أكسبته معرفة بطبيعة المؤسسة وتحدياتها، وبمتطلبات حماية الوطن وصون استقراره في محيط إقليمي تتسم أوضاعه بالحساسية والتقلب.

وخلال توليه وزارة الدفاع الوطني، واصل أداء مسؤولياته في قطاع تتداخل فيه اعتبارات الأمن الوطني مع متطلبات الجاهزية والتكوين والتحديث. وقد ارتبطت مسيرته، في مواقعها العسكرية والإدارية المختلفة، بخدمة المؤسسة العسكرية ومواكبة متطلبات تطويرها وتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمهامها.

وهكذا امتدت مسيرته بين ميادين العمل العسكري ومسؤوليات الإدارة، وظل القاسم المشترك بينها خدمة الوطن والقيام بمقتضيات المسؤولية في مختلف المواقع.

ومن البديهي أن التغيير في مواقع المسؤولية من سنن العمل السياسي، وأن إعادة توزيع الأدوار من مقتضيات إدارة الدولة. لكن حركة المناصب، مهما كانت دلالاتها الإدارية، لا تكفي وحدها للحكم على مكانة الرجال أو طبيعة علاقاتهم؛ فثمة روابط تصنعها سنوات العمل المشترك، وخبرات تتراكم عبر مسار طويل، وتجارب لا تنتهي بانتهاء التكليف، بل تظل جزءا من رصيد الدولة ورجالها.

ولعل أبرز ما يستحق الاستحضار في هذا السياق طبيعة العلاقة التي تجمع حننا ولد سيدي برئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني؛ وهي علاقة تعود جذورها إلى المسار العسكري، حيث جمعتهما المؤسسة نفسها، وتقاطعت مسؤولياتهما في ميادين العمل الوطني.

وقد أتاح هذا المسار المهني المشترك لكل منهما معرفة بتجربة الآخر، في بيئة تتقدم فيها مقتضيات الانضباط وتحمل المسؤولية والتضحية من أجل الوطن على الاعتبارات العابرة.

آمنا بالوطن ووهباه أغلى سني عمرهما، بحلوها ومرها، وتقاسما ما تفرضه خدمة الوطن من انضباط وتضحيات ومسؤوليات جسام، المنكب بالمنكب، والساق بالساق، في مسار جمعهما على الواجب، ووحد بينها نبل الغاية وسموها .

(رضيعي لبان ثدي أم تقاسما = بأسحم داج عوض لا نتفرق)
غير أن الأهم من استحضار هذا التاريخ المشترك هو المعنى الذي ينبغي أن يحكم العلاقات داخل مؤسسات الدولة: أن تظل خدمة الوطن غايتها، والمصلحة العامة معيارها، وألا تختزل قيمة الرجال في المواقع التي يتولونها.

فالمناصب تتبدل، والمسؤوليات تتعاقب، لكن ما تصنعه سنوات الخدمة من خبرة وتجربة وتاريخ مهني مشترك يظل جزءا من رصيد الدولة، وتبقى خدمة الوطن هي الرابطة الأسمى التي تمنح العلاقات معناها الأعمق.

فذلك هو جوهر مسيرة رجل الدولة: ألا تتوقف مكانته عند حدود المنصب، وألا تقاس قيمة تجربته بالوظائف التي شغلها، بل بما يتركه من أثر في خدمة الوطن؛ فالعطاء المخلص هو ما يمنح مسيرة الرجال قيمتها، وما يستحق أن يبقى في ذاكرة الدولة.

#الأيام_نت
#تابعونا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى