فما بعد الاستقرار إلا التنمية…/ محمد ولد لحظانه
لكل مرحلة استحقاقاتها، ولكل مسار غاياته. وحين تنحسر التوترات، وتتسع مساحات الحوار، وتُستعاد جسور التواصل والثقة، لا يعود السؤال مقتصراً على ما تحقق من تهدئة، بل يمتد إلى ما ينبغي أن يُبنى على نتائجها. فالقيمة الحقيقية لأي انفراج سياسي لا تكمن في تجاوز لحظة الاحتقان فحسب، وإنما في القدرة على تحويله إلى بداية لمرحلة جديدة.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو التهدئة غاية في حد ذاتها، ولا الحوار مجرد وسيلة لتقريب المواقف، بل مدخلاً لتهيئة مناخ يسمح بتوحيد الجهود والانصراف إلى الأولويات الوطنية. وحين تتوفر أجواء الاستقرار، يصبح من الضروري أن تنتقل الطاقات من إدارة الاختلافات إلى معالجة التحديات، ومن البحث عن أرضية مشتركة إلى العمل على مستقبل مشترك.
وفي هذا السياق، أشرف فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني اليوم على إطلاق النسخة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط، في خطوة تكتسب دلالتها من توقيتها وسياقها؛ إذ تأتي لتؤكد أن استحقاقات المرحلة لا تقف عند حدود ترسيخ الاستقرار، بل تمتد إلى استثمار أجوائه في إطلاق المشاريع وتسريع وتيرة الإنجاز والاستجابة لتطلعات المواطنين.
ذلك أن الاستقرار لا تكتمل قيمته بمجرد غياب التجاذبات، وإنما بما يتيحه من فرص للبناء، وما يوفره من شروط للإصلاح والتنمية. فالمواطن الذي يتطلع إلى أجواء سياسية أكثر هدوءاً، ينتظر في الوقت نفسه أن يجد أثر ذلك في حياته اليومية، في خدمات أفضل، وبنية تحتية أكثر تطوراً، وآفاق أوسع للعمل وتحسين ظروف العيش.
ومن هنا، تبدو موريتانيا اليوم في أمسّ الحاجة إلى مواصلة هذا النهج، والبناء على ما تحقق من أجواء الانفتاح والتواصل، وعدم التعامل معها باعتبارها محطات عابرة، بل أساساً لمسار وطني متصل. فالتحدي ليس فقط في تجاوز التباينات، وإنما في الحفاظ على المناخ الذي يسمح بتوجيه الجهود نحو الأولويات الكبرى، بعيداً عن استنزاف الطاقات في التجاذبات.
ولعل الفرق بين الاستقرار بوصفه حالة سياسية، والاستقرار بوصفه رافعة للتقدم، يكمن في ما ينتج عنه من تحولات ملموسة. فالأول قد يحقق الهدوء، أما الثاني فيفتح آفاق البناء ويمنح المواطنين أسباباً أكثر للتطلع إلى المستقبل.
فالتهدئة تفتح الأبواب، والاستقرار يهيئ الطريق، والتنمية تمنح المسار غايته ومعناه. وما أحوج موريتانيا اليوم إلى أن تواصل هذا النهج، وأن تجعل من أجواء التوافق منطلقاً لمرحلة عنوانها البناء والإنجاز. فما بعد الاستقرار إلا التنمية
محمد لحظانه