مسابقة التعليم العالي؛ تعقيدات التجربة ومواقف رجال الدولة / د أحمدو ولد فال

مرّت مسابقة اكتتاب أساتذة التعليم العالي، التي أُعلن عنها أواخر عام 2023، بواحدة من أطول وأعقد مراحلها الزمنية، امتدت لأكثر من عام وشهرين، وتعرّضت لعدد غير مسبوق من الطعون، وتباينت بشأنها الآراء داخل الأوساط الأكاديمية والقانونية، نتيجة إشكالات تنظيمية وفنية وقانونية أثّرت على سيرها العام.

غير أن ما يجعل من هذه المسابقة حدثاً استثنائياً في الذاكرة الإدارية للبلد ليس طول مدتها فحسب، بل طريقة التعاطي الرسمي معها من طرف السلطات الوصية، وتحديداً وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، واللجنة الوطنية للمسابقات.

لقد اتخذ معالي الوزير الدكتور يعقوب ولد امين، في أغسطس 2024، خطوة مسؤولة وشجاعة، حين وجّه رسالة رسمية إلى اللجنة الوطنية للمسابقات، تضمنت ملاحظات جوهرية على المسار المتبع، ودعوة صريحة إلى احترام مقتضيات النصوص القانونية المنظمة للمسابقة، من توصيف دقيق للمقاعد، وشبكة تنقيط واضحة، ومراعاة لمبدأ تكافؤ الفرص. كانت تلك الرسالة موقفاً حكيماً من رجل دولة، أراد أن يُعبّر عن حرصه على نزاهة المسار، من دون تدخل في استقلالية اللجنة، أو مساسٍ بصلاحياتها.

وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي التنويه بالكفاءة والنزاهة التي تحلى بهما رئيس اللجنة الوطنية للمسابقات، الدكتور شيخنا ولد إدومو، الذي واجه هذه المسابقة الشائكة بإرادة صلبة، وحكمة هادئة، وحرص متواصل على تطبيق القانون، رغم تعقيدات المرحلة وضغط السياق. فقد عُرف الدكتور شيخنا بصرامته الأخلاقية، وحرصه الكبير على سمعة اللجنة واستقلاليتها، وسعيه الدؤوب لتحديث آليات عملها، في بيئة إدارية تعاني من ضعف الوسائل وكثرة التحديات.

لم يكن الرجل يتعامل مع مسابقة عادية، بل مع ملف بالغ الحساسية، تتداخل فيه الأبعاد القانونية والأكاديمية والوظيفية، ويخضع لضغط الرأي العام والطعون القضائية، لكنّه اختار أن يسلك المسار القانوني، ويستوعب ملاحظات القطاع الوزاري، ويقود لجان التصحيح والتدقيق والمراجعة ضمن احترام صارم للنصوص، وبروح منفتحة على التصحيح والتدارك، بما لا يمسّ جوهر الشفافية ولا مبدأ الاستقلال.

ولذلك فإن تحميل جهة واحدة مسؤولية ما حدث لا يخدم الحقيقة ولا يُعين على الإصلاح. فالمسؤولية في مثل هذه المسابقات موزعة بين أطراف عدة، تشمل اللجنة، والوزارة، ومؤسسات التعليم العالي، واللجان الفنية، والمفتشية العامة للدولة، وغيرها. وما ينبغي فعله هو تحويل هذه التجربة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة تنظيم المسابقات الوطنية، وفق رؤية إصلاحية شاملة، تعزز الاستقلالية، وتضمن الكفاءة والعدالة.

لقد كانت هذه المسابقة – رغم عثراتها – ميداناً لاختبار روح المسؤولية لدى كبار القائمين على الشأن العمومي. وقد أبان فيها الدكتور يعقوب ولد امين عن وعي قانوني عميق وإرادة إصلاحية واضحة، كما أكد فيها الدكتور شيخنا ولد إدومو، مرة أخرى، صلابته المهنية، ونزاهته الشخصية، وقدرته على إدارة المراحل الحرجة بقدر عالٍ من الرصانة والهدوء.

إن النخبة الوطنية بحاجة إلى أمثال هؤلاء، ممن لا يخافون التصحيح، ولا يساومون على الشفافية، ولا ينحنون للعاصفة، مهما بلغت ضغوطها. ومهما يكن من أمر، فإن الأمل يبقى معقوداً على أن تكون هذه المسابقة منطلقاً لإصلاح عميق، لا مجرد محطة عابرة.

بقلم الدكتور أحمدو ولد فال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى