الدكتور إسحاق الكنتي يكتب: العنف السياسي..

ارتبطت السياسة بالخطابة والمحاججة والفكر عبر العصور. فكان السياسي بالتعريف الخطيب المفوه، والداهية المجرب الذي يبز أقرانه، ويهزم خصومه ببيان حجته، وقوة برهانه… ولم تزل السياسة مبحثا من مباحث علم الأخلاق عند اليونان، حتى قامت إمبراطورية الرومان فانتشر العنف السياسي عبر الاغتيالات والدسائس. فبعدت الشقة بين الأخلاق والسياسة. ثم جاء الكردينال دي ريشليه (9 سبتمبر 1585 – 4 ديسمبر 1642م)، بمقولة: La raison d’État ليؤسس للقطيعة بين الأخلاق والسياسة. قطيعة نظر لها بشكل أكبر، وأكثر بعدا من الأخلاق، نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي 3 مايو 1469 – 21 يونيو 1527 في كتابه الأمير. مع “الأمير” شرع “العنف السياسي” كأداة للاستيلاء على السلطة، والمحافظة عليها، ووسيلة فعالة لتصفية الخصوم. رغم كل ذلك لم يطبع العقل السياسي مع “العنف السياسي”، وإنما أطلق عليه غالبا لفظ “الجريمة السياسية”.
لم تشتهر بلادنا، ولله الحمد، بممارسة العنف السياسي إذا استثنينا بعض الحالات المعزولة في الجمهورية الأولى؛ عملية النعمة، اغتيال الأمير ولد عمير، وما تعرض له اليساريون من تعذيب في السجون. ثم جاءت الأحكام الاستثنائية بثلاثة انقلابات دموية فشلت، وانقلابات بيضاء نجحت.
في المرحلة الديمقراطية لم يسجل عنف سياسي مرتبط بالعملية الانتخابية إلا ما حدث يوم الاقتراع في مدينة الرشيد أثناء انتخابات 2023 البلدية والتشريعية والجهوية، فقد سالت الدماء واحتجز فاعل سياسي عند الدرك حتى انتهى الاقتراع فسحبت الشكوى وأغلق الملف، ما يؤكد أن العنف ذو طابع سياسي محض.
تظهر محاضر الدرك التي ضمها محامي المتهم عبد الرحمن سيد أحمد أج إلى ملف القضية 881/2019، ضلوع الأخير في ذلك العنف. وهو نفسه الذي اعتدى على الدكتور محمد إسحاق الكنتي عام 2019 في مسجد ابن عباس بمناسبة الصلاة على جنازة سيداتي آبّ رحمه الله. وقد صدر عليه حكم ابتدائي بالإدانة، استأنفته النيابة والطرف المدني.
أنبه، الذين سيعلقون ب”الصلح خير”، إلى أنني قبلت الصلح من أول يوم، لكن عائلة الجاني رفضته، ورفضه هو نفسه أمام القاضي حين عرضه عليه. إن تسوية الخلافات السياسية بالعنف، حين يصبح قاعدة يتم التساهل معها، لن ينجو منه أحد، والعنف يولد العنف. ولعل نشر وقائع المحاكمة ليطلع عليها الجمهور فيه رادع للبلطجية من أبناء الذوات الذين يتوقعون الإفلات من العقوبات المترتبة على أفعالهم المدانة. صحيح أن عبد الرحمن سيد أحمد أج، الملقب اقريني، أفلت من العقوبة مدة أربع سنوات، لينخرط في عنف جديد. وحين أدين لم ترتب على إدانته عقوبة تناسب ما اقترفه، منوجهة نظر النيابة والطرف المدني، فاستأنفا الحكم.
سأنشر الحكم، خلال الأيام القادمة، وأسباب الخلاف السياسي الذي أدى إلى العنف، ومرافعتي أمام الدرجة الابتدائية من المحكمة الجزائية لانواكشوط الغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى