القاضي عبد الله ولد الركاد، عمر مديد بين العلم والدعوة وحسن الخلق / الدكتور سيد أحمد ولد سيدي الخليل

ذكر الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ خمس خصال تفرد بها مالك عن أهل زمانه حيث يقول:
(وقد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره: أحدها طول العمر وعلو الرواية, وثانيتها الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم, وثالثتها اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية، ورابعتها تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن, وخامستها تقدمه في الفقه والفتوى, وصحة قواعده).
وبدون مبالغة فقد اتفق أهل زمامنا ممن يعرفون القاضي عبد الله ولد الركاد على وجود ثلاث من هذه المناقب فيه، طول العمر، والذهن الثاقب والفهم، وإجماعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن.
نعم أعطاه الله عمرأ طويلا وعريضا…
فقد رزقه الله عمرا طويلا في السنين حيث عاش تسعين سنة؛ وعريضا في المكرمات ومعالي الأمور..مع ذاكرة قوية جدا لم يعرف الزهايمر إليه سبيلا.
وأعطاه الله ذهنا ثاقبا وفهما صحيحا، فقد جمع الله للقاضي عبد الله ولد الركاد بين نباهة المصلح وزهد المخبت، وهي ثنائية تجعل سفينة الدعوة تسلك طريقا لا عوج فيها ولا أمتا.
وأعطاه إجماع الناس على ديانته وعدالته، فقد كان متدينا بالفطرة والممارسة، مستقيما في القول والعمل.
وأعطاه الله إضافة إلى ذلك أنه مات منتصب القامة لم ينحن حسا ولا معنى؛ وسيما صبوح الوجه لم تعرف التجاعيد إلى وجهه سبيلا رغم وصوله تسعين عاما.
وباجملة فقد كان عمره المديد مقسما بين العلم والدعوة وحسن الخلق.
ولنخص كل وصف من هذه الأوصاف البارزة في شخصية القاضي بكلمة.
أولا العلم.
بدأ القاضي عبد الله ولد الركاد طلبه للعلم باكرا في مسقط رأسه فأخذ من تأملات ولد ميلود وزهده ما يؤهله لدخول مصاف الزهاد، وكثيرا ما يردد بعض أقواله مثل (حد سند افمولانا ؤطاح معناها عنو ما كان انمتن اسنادتو).
ثم ذهب في طلب العلم خارج البلاد ماشيا على رجليه إلى ليبيا التي أخذ شهادة من إحدى جامعاتها فسوريا فمصر..
فحقق الله له بذلك الرحلة في طلب العلم.
ومن تأملاته العلمية ،والفكرية أنه قال لي ذات يوم أتدرى لماذا كانت عرفة ركنا مع أنها ليست في الحرم عكس منى والمزدلفة ؟
فقلت له: لا
فقال: لما كانت خارجة عن الحرم مع أنها من أعمال الحج فكأنها اشتكت إلى الله خروجها عن الحرم وغارت من منى والمزدلفة الموجودتين في الحرم عوضها الله بأن جعلها أهم ركن من أركان الحج، فقال صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة.
ومن جميل إسقاطاته النحوية والصرفية أنه حدثني قبل وفاته بيوم واحد عن خليله عمي أحمد ولد سيدي الخليل فكان مما ختم به أن قال: أحمد قي الطيبة وحسن الخلق ألا ذاك الل إكولو أهل العربية: (مجبول أو كالذي عليه قد جيلا).
فهو هنا يسقط احمرار ولد زين على لامية الأفعال على صديقه وخليله أحمد.
وله تأملات كثيرة وإسقاطات جميلة في الفقه والدعوة يضيق المقام عن ذكرها.
ثانيا الدعوة إلى الله.
وهذا مجاله الفسيح الذي كرس له حياته وأعطاه وقته وأفنى فيه شبابه وكهولته وشيخوخته..
كان القاضي عبد الله ولد الركاد داعية إلى الله بقوله وفعله وسمته ودله، ويكفي أن نعلم أن أول رحلة دعوية في أوائل الثمانينيات تجوب البلاد شرقا وغربا جنوبا وشمالا كان القاضي أحد روادها وأبرز رجالاتها، وكان ذلك في سيارة من الطراز القديم: 404
ومن العجيب أن الكلمة التي اتفق عليها جميع المعزين هي أن القاضي عبد الله ولد الركاد لا تأخذه في الله لومة لائم، لا أعلم معزيا إلا قال هذه الكلمة أو قال معناها.
نعم كان القاضي لا تأخذه في الله لومة لائم ولكنه كان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولذلك لا يعين في الدعوة ولا يفجر في الخصومة، وإنما يقول قولا لينا، وينحت أسلوبا جميلا في تبليغ دين الله، فمن استمع إليه يدرك أن هذه الأية كانت بين عينيه وحاضرة في دعوته: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (} [آل عمران: 159]
وفي مجال الدعوة والانتصار لدين الله تؤثر عنه قصص وحكابات مدهشة، فمن ذلك:
1ـ أنه وقف في الثمانينات في أحد المساجد قائلا: هذو الخلطة الحاكمين ليس لهم من الولاء في رقابنا إلا ما أعطوا لدين الله فإن أعطوه عشرة في المائة فلهم عشرة في المائة، وإن أعطوه مائة في المائة فلهم ذلك وهكذا..
2ـ أنه قاد مظاهرة وهو إذ ذاك قاض ضد دستور يعزى لرئيس الوزراء آنذاك يرد الحكم للشعب فقاد القاضي مظاهرة تندد بذلك تحت عنوان (إن الحكم إلا لله).
3ـ أنه ذات يوم اجتمع بأحد الرؤساء السابقين مع مجموعة من الأئمة فكان كل واحد منهم يقول طلبه للرئيس، فلما وصل الدور إليه خاطبه قائلا: السيد الرئيس طلبي الوحيد لك أن تنصر الدين وأن تنتصر له، واعلم أنك منصور بقدر نصرتك للدين وحمايتك له.
ولهذه المواقف الخالدة وأمثالها كان الشيخ حمدا ولد التاه ـ رحمة الله عليهما ـ إذا رآه قال: مرحبا بمحامي الإسلام، وهو لقب يخصه به دون غيره لما ذاع وانتشر من نصرته للدين ودعوته لإقامته في الناس واقعا ملموسا، لا شيئا مدعى.
بعد تقاعده من القضاء صار محاميا، وهنا سار في المحاماة سيره القضاء، فكان لا يحامي عن شخص إلا إذا عرف أنه مظلوم كما أنه في القضاء كان لا يرغب في القضاء الجالس..
ومن قصصه في المحاماة أن شخصا كان يحامي عنه فاستعمل واسطة كانت السبب في وصول حقه إليه فجاء إلى عبد الله وأعطاه التعويض الذي اتفقا عليه، فامتنع القاضي والمحامي عبد الله من أخذه وقال: وصلك خقك بغير جهدي ولذلك لن آخذ منك شيئا أبدا.
تتسم دعوة القاضي عبد الله بالرفق والزهد في الدنيا ولذلك لاقت قبولا، لأن المتلقين يرون أن ما يدعوهم إليه مطبقا له في حياته.
ومن زهادته في الدنيا أنه لقي الله وهو لا يملك منزلا رغم أنه كان قاضيا ومحاميا وإماما.
كما أنه لقي الله وليست له جمعية خيرية ذات نفع مادي رغم انتشار الجمعيات في زمنه ورغم قدرته على ذلك، ولكن الدنيا لم تكن أكبر همه ولا مبلغ علمه.
وكان يخاف من المال خوف غيرمن عدمه.
نعم له جمعية واجدة مرخصة من طرف الدولة تدعى (جمعية إقامة الصلاة ) ولكنها لا تملك فلسا ولا تسعى له.
كان القاضي عبد الله حريصا على إقامة الصلاة وكانت تستحوذ هي وإقامة الحدود على دعوته، ومن كلامه في هذا السياق: لو أن المصلي يعامل ربه في الصلاة حضورا كمثل حضوره حين يحسب الفلوس من دين أو بيع لكان خاشعا في صلاته.
وفسر في مسجده سورة الفاتحة فاستغرق ذلك ساعتين.
ثالثا حسن الخلق.
الذي يبهر في القاضي عبد الله ولد الركاد ليس علمه ولا ورعه ولا تنسكه وإنما حسن خلقه الذي يغلف به دعوته ومجالسه وكل تصرفاته، كان حلو المجالسة طريف المفاكهة، سليم الصدر، جيد النباهة، يالف ويؤلف، يخاطب كل شخص بمستواه، عظيم التواضع، باسم الوجه، وقد كان يقتدي برسول الله صلى عليه وسلم في خصلتين عظيمتين:
1ـ لين الجانب، حيث كانت الجارية تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذهب به حيث جاءت، وقد كان القاضي عبد الله ولد الركاد يأخذ بيد الصبيان ويعطيهم الفلوس ويقول لهم: ادعوا الله لي بالهداية.
2ـ عدم الانتصار لنفسه، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا ينتصر لنفسه ولا ينتقم لها كما في حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ».
وقد تبعه في هذه الخصلة القاضي عبد الله فكان لا ينتصر لنفسه ولا ينتقم لها ولكن إذا انتهكت حرمات الله انتصر لها وبالغ في في الموعظة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر.
وأخيرا فإن في جديث الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ “.
وقد شهد له الناس بما ظهر من هذه السبعة وهو خمسة:
1ـ الإمام العادل.
وهذه المنقبة تشهد لها مسيرته في القضاء والمحاماة.
2ـ شاب نشأ في طاعة الله.
وبهذا شهد معاصروه، وشهدت به مسيرته الدعوية والعلمية.
3ـ رجل قلبه معلق بالمساجد.
وهذه أشهد عليها أنا وكل من يعرفه، فقد كان يصلي العصر في المسجد ويبقى فيه حتى يصلي العشاء.
4ـ الحب في الله.
وهذه سمته البارزة فلا يحب إلا في الله، وليس له حب لأهل الدنيا لزهده فيما عندهم,
5ـ صدقة السر.
وهذه شهد له بها الفقراء والمحتاجون من جيرانه..
وأما الخصلتان الباقيتان فهما موجودتان فيه بالقوة وبالمعنى لأن جوالبهما متوفرة، ودواعيهما ظاهرة، وإن كانت طبيعتهما تقتضي الاختفاء غير أن البعرة تدل على البعير وأثرالأقدام يدل على المسير، والظاهر عنوان الباطن في الغالب، والحركات تتبع الجوالب.
نسأل الله أن يتغمد والدنا القاضي عبد الله ولد الركاد بواسع رحمته وأن يتقبل منه جميع أعماله وأن يعقبه في أهله خيرا.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.