قراءة في سؤال الزيادة في ميزانية الدولة: من أين؟ وإلى أين؟ / محمد لحظانه

كثيرًا ما يُثار التساؤل حول الزيادة التي عرفتها ميزانية الدولة في السنوات الأخيرة. وحين يُستعجل السؤال عن مصير هذه الزيادة، لا يكون الدافع دائمًا بحثًا صادقًا عن الفهم، خاصة عندما يُطرح في سياقات يغلب عليها التوظيف أكثر من الحرص على المصلحة العامة. غير أن تكرار هذا التساؤل يكشف، في أحد أبعاده، عن فراغ تواصلي لم يُملأ في وقته، وعن شرح مؤسسي لم يواكب بعد حجم التحوّل المالي والاستثماري الحاصل. وفي غياب التوضيح المبادر، يتحوّل السؤال من أداة للفهم إلى مادة للالتباس، وأحيانًا إلى وسيلة للتشويش بدل الإحاطة.
وقبل الخوض في سؤال: «أين صُرفت الزيادة؟»، كان الأجدر طرح سؤال أكثر جوهرية: «من أين جاءت هذه الموارد أصلًا؟». ففهم الميزانية لا يبدأ من بنود الصرف، بل من مصادر التعبئة التي مكّنت الدولة من رفع سقف ميزانيتها وتمويل مشاريع كبرى، أُنجز بعضها ولا يزال بعضها الآخر قيد الإنجاز. وغالبًا ما تعود هذه الموارد إلى تحسّن آليات التحصيل، وتوسيع الوعاء الضريبي، وزخم نمو اقتصادي أتاح هامشًا ماليًا أوسع. ومع ذلك، ظل هذا المسار المالي، رغم وضوح معطياته وتوفّر أدوات شرحه، ضعيف الحضور في النقاش العمومي، وكأن ما أُنجز ماليًا لم يجد بعد من يترجمه للرأي العام بانتظام ومسؤولية.
وهنا، لا يُقصد من هذا الطرح تبرير سياسات أو تلميع أرقام، بقدر ما يُقصد إعادة ترتيب الأسئلة ووضعها في سياقها الصحيح. فالنقاش العمومي السليم لا يقوم على الاصطفاف، بل على الفهم؛ ولا يخدم الحقيقة حين يُختزل في الدفاع أو الاتهام، بل حين يُبنى على المعطيات ويُترك للقارئ أن يستخلص موقفه بنفسه.
ومتى اتّضح مصدر الموارد، يصبح النظر في كيفية توجيهها أكثر وضوحًا. فالاستثمارات في البنية التحتية، والطرق، والتعليم، والصحة، والمياه والكهرباء، إلى جانب دعم الفئات الهشّة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، تعبّر عن خيارات عمومية ومسار استثماري محدّد. ويكفي التذكير بأن حجم الاستثمارات العمومية في سنة 2025 وحدها بلغ مئات المليارات، وهو ما يعكس حجم الجهد المالي المبذول واتساع رقعة المشاريع المنجزة أو قيد الإنجاز. غير أن هذا الجهد، على اتساعه، لم يُواكَب بحضور إعلامي عمومي يوازيه، رغم ما أُتيح لهذا الإعلام من إمكانات ووسائل كان يُفترض أن تجعله في صدارة شرح السياسات العمومية وربطها بحياة المواطن.
فالميزانية لا تُقرأ من خلال أرقامها فقط، بل من خلال ما يتحقّق على الأرض، وما يصل فعليًا إلى وعي المواطن. وهذا الربط لا يتم تلقائيًا، بل يفترض إعلامًا عموميًا يمارس دوره بوصفه خدمة عامة، لا مجرّد ناقل أخبار أو مُردِّد معطيات. وعندما يتراجع هذا الدور، لا تغيب الدولة ولا إنجازاتها، بل يغيب الشرح، ويُترك المجال واسعًا للتأويل، ويصبح التشكيك أسهل من الفهم، والاختزال أسهل من التفسير.
وقد يُنظر إلى هذا الطرح على أنه دفاع، غير أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بموقعه من السلطة، بل بمدى قربه من الحقيقة. فالدفاع حين يكون لازمًا لا يُعيب، كما أن النقد حين يكون واجبًا لا يُجامل، غير أن الأساس يظل في قول ما ينبغي قوله كما هو، دون تهويل أو تبسيط، ودون اصطفاف مُسبق.
هكذا، لا تُقرأ الزيادة في الميزانية كرقم معزول، بل كمسار متكامل، يبدأ من مصادر التعبئة، ويمرّ بالاختيارات العمومية، وينتهي بما يتحقّق على الأرض. ومسار كهذا لا يستقيم دون شرح مؤسسي منتظم، يجعل المواطن شريكًا في الفهم قبل أن يكون موضوعًا للخطاب. وهكذا نفهم المسؤولية العمومية: وضوح في الموارد، وصدق في الاختيارات، وشرح لا يتأخر عن الفعل.